ترامب وحركاته

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تقول دراسات نفسية مرتبطة بمجال الميديا أن الرئيس الأمريكي ترامب تعود على ممارسة تصرفات صبيانية يحقق من خلالها تصرفات شاذة تلفت الأنظار إليه، ولطالما كان ترامب في مداخلاته التلفزيونية ولقائاته وتغريداته نموذجا للخروج عن المألوف وهو يتبع في ذلك نظرية يمارسها العاملون في الإعلانات التجارية، وترتبط بطرح آراء ومقولات وتصرفات جديدة وجريئة وخارجة عن المألوف.

لكن ترامب اصطحب ما تعود عليه في مجال السوشيال ميديا إلى البيت الأبيض حيث أكبر مقر للحكم في العالم، لدرجة أن صار يتشاجر مع الصحفيين الذين عاشوا أعمارهم مع رؤساء سابقين كانت لهم شخصيات وقورة.

عندما شنت أمريكا ضرباتها مع إسرائيل على إيران، برز دونالد ترامب بوصفه ظاهرة سياسية قبل أن يكون مجرد رئيس أمريكي.

تذكر العالم أنه منذ دخوله عالم السياسة لم يتصرف كرجل دولة تقليدي، بل كرجل يفضل كسر القواعد التي اعتادها السياسيون، لم يكن خطابه يوما خطاب المؤسسات الهادئ ، بل خطاب الصدمة والمفاجأة والاستعراض، هو يدرك أكثر من غيره أن العالم الحديث لا يكافئ أكثر الساسة حكمة بقدر ما يكافئ أكثرهم قدرة على خطف الانتباه.

لذلك في كل مرة يظن العالم أن واشنطن وطهران اقتربتا من إغلاق أحد أكثر ملفات العصر توترا، يعود الدخان ليتصاعد من جديد، وتعود الصواريخ لتتكلم باللغة التي تفهمها الحروب حين تعجز السياسة عن فرض إيقاعها.

المشهد يبدو وكأنه مسرحية طويلة لا تريد أن تصل إلى فصلها الأخير، مفاوضات تتقدم بخطوات بطيئة، ثم ضربة مفاجئة تعيد الجميع إلى نقطة البداية، ثم بيانات غاضبة، ثم وساطات، ثم أحاديث عن السلام، ثم انفجار جديد يبدد كل الآمال.

خلف هذا المشهد تكمن قصة معقدة ترتبط بطبيعة القيادة السياسية نفسها، وكيفية تحول شخصية الحاكم إلى عامل مؤثر في مصير مناطق بأكملها، ترتبط بترامب الذي لا يحب أن يكون جزءا من المشهد، بل يريد أن يكون المشهد نفسه.

تتغير تصريحاته بسرعة أكبر من الأحداث، كلماته تسبق الوقائع، يقول شيئا اليوم ثم يناقضه غدا، لا لأنه بالضرورة غير رأيه، بل لأن التناقض ذاته قد يكون جزءا من أسلوبه في إدارة الصراع، فالرجل الذي يهدد بالتصعيد يعلن في اللحظة نفسها استعداده للتفاوض، والرجل الذي يتحدث عن السلام لا يتردد في استخدام لغة القوة.

من الناحية النفسية يرى محللون أن ترامب ينتمي إلى نمط الحكام الذين يستمدون قوتهم من خلق حالة دائمة من عدم اليقين، حين يعجز الخصم عن توقع خطوتك التالية ، يصبح أكثر حذرا وأقل قدرة على التخطيط، لكن هذه الاستراتيجية تحمل وجها آخر أكثر خطورة ، لأنها تجعل العالم كله يعيش داخل دائرة من التوتر المستمر ، حيث يصبح التصعيد احتمالا قائما باستمرار في كل لحظة.

في الحرب الإيرانية تبدو هذه الديناميكية واضحة للغاية الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحسابات العسكرية، بل في الطبيعة الإنسانية للسلطة، التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائما بخطط مدروسة، بل كثيرا ما بدأت بسوء تقدير أو غرور أو اعتقاد خاطئ بأن الطرف الآخر سيتراجع في اللحظة الأخيرة، عندما تختلط حسابات الدول بطموحات الحكام وصراعاتهم الشخصية وصورتهم أمام جماهيرهم ، يصبح المشهد أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ.

لا يجب النظر إلى الصراع الأمريكي الإيراني كنزاع جيوسياسي تقليدي، إنه أيضا اختبار مستمر لقدرة السياسة على كبح الاندفاع نحو التصعيد، لإمكانية أن ينتصر العقل على الرغبة في استعراض القوة، وأن تنتصر الدبلوماسية على إغراء المدافع.

سيبقى العالم يتابع المشهد نفسه، صواريخ تعبر السماء، تصريحات تملأ الشاشات، وسطاء يركضون بين العواصم، وأسواق ترتجف مع كل خبر عاجل، أما السلام ذلك الضيف الذي يكثر الجميع من الحديث عنه، فيظل واقفا عند الباب، ينتظر أن يقرر المتصارعون أخيرا أن فتح الباب أقل كلفة من مواصلة الطرق عليه بالقوة.