المتاجرة بالحج

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

فى ديسمبر من عام 2007، كانت المرة الأولى التى أقوم فيها بأداء فريضة الحج، ولم يكن التصوير فى الأماكن المقدسة قد انتشر كما هو الحال الآن، وعلى استحياء قمت بالتقاط صورة لى مع الكعبة المشرفة للاحتفاظ بها كذكرى لأهم رحلة قمت بها، ومثلى كثير ممن منحهم المولى هذه المنة، لكنى فوجئت بأحد الحجاج الذى يرتدى ملابس الإحرام ينهرنى بحدة، قائلاً لى إن للمكان قدسيته وللشعائر حرمتها، لم أغضب مما قال على الرغم من أن تلك الصورة لم يكن لها غرض سوى الاحتفاظ بها بشكل شخصى للذكرى فقط.

تذكرت هذه الواقعة ونحن نرى هذه الأيام ما يتم بثه وتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعى، والمناقشات الدائرة بعد أن حرص عدد كبير من المشاهير، خاصة الفنانين والإعلاميين، على الانتقال من نشر الصور إلى نشر مقاطع فيديوهات أثناء هذه الرحلة الأكثر قدسية، وقد تعرضوا لموجة كبيرة من انتقادات الجمهور المصرى الذى يعظم الشعائر الدينية ولها قدسية خاصة فى نفسه تليق بهذه الشعيرة التى ينعم الله بها على من استطاع إليها سبيلاً وييسر له أداءها.

لقد استفزت هذه المقاطع جموع المصريين بعد أن تحول الأمر إلى استعراض لكل شىء، بدءاً من الطعام والشراب وحقائب السفر، إلى الملابس الداخلية والخارجية وغرف الفنادق وصالوناتها ومدى قربها من الحرم، والخيام والبوفيهات المفتوحة.

وهم حين يفعلون ذلك يدَّعون أنهم يقدمون خدمة لمن لم يستطع إليه سبيلاً وتاقت نفسه للحج.

من المؤكد أن هذه ليست المرة الأولى التى يؤدى فيها فنانون وإعلاميون ومشاهير هذا الركن، لكن من المؤكد أنها المرة الأولى التى يتحول فيها موسم الحج إلى ما يشبه البازار الذى يقيمه بعضهم بشكل دورى، خاصة الإعلاميات، للترويج للسلع، ومن المعروف أن هؤلاء الإعلاميات يتجاوزن بهذه الأسواق دورهن الإعلامى الذى يتطلب معايير خاصة جداً من المفترض أن تصل بهن إلى مرتبة (القدوة) لأنهن لسنّ فنانات يتقمصن أدواراً تمثيلية، بل دورهن يتطلب الدخول إلى البيوت من أجل ترقية وتوعية الأسر، وتلك رسالة راقية لمن يفهمها ويدركها.

لكن بعضهن استخدمن ذرائع شتى للتحول من الرسالة الإعلامية إلى التجارة والاسترزاق، خاصة أن انتماءهن إلى قنوات خاصة لا مانع لديها فى اختلاط الحابل بالنابل، وقد اعتمدن على سطحية وجهل الكثيرين ممن ينبهرون ويثقون وينقادون لأى وجه تليفزيونى أو سينمائى، وهن فى سبيل تحقيق مشاهدات عالية - وهو الوباء الذى ضرب العالم كله وأسقط ما تبقى من قيمه - هن لا يتورعن عن عرض بيوتهن وأسرهن وأدق الأمور الشخصية، حتى إن إحداهن، وهى من المفترض أنها مقدمة برامج دينية، باغتت والدتها فى بث مباشر والسيدة فى فراشها تقرأ القرآن، وتطلب من ابنتها ألا تفعل، والابنة مستمرة إلى جوارها فى الفراش ورأسها على الوسادة، فى مشهد ينم عن أنانية مفرطة.

من المؤكد أن لكل إنسان حقه فى حرية ما يفعل أو ما يشاء، وأن يضع نفسه فى الموضع الذى يريد، لكن ليس من حقه وهو يفعل ذلك أن يقدم نفسه كمصلح اجتماعى أو دينى، وأن يبث نصائح لا تستند لعلم أو ثقافة أو حتى لياقة أو لباقة، وحين يقوم بذلك هو أيضاً يتاجر بكل شىء وأى شىء لمصلحة شخصية بحتة من أجل الكسب، ولا مانع من ذلك، لكن بعيداً عن شعائر الدين التى لها قدسيتها وحرمتها، فما يفعله هؤلاء لا يندرج تحت مشاركة الجمهور هذه الرحلة العظيمة، لكنه يندرج تحت الدعاية والإعلان والمتاجرة، ولا بأس من ذلك، لكى البأس كل البأس هو لعب دور الوعاظ.