معركة التخدير وحراس المعبد

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

لم يعبر العلم بسهولة أو بسلاسة وأمان إلى شاطئ الأمان، ولم يسمح له بأن ينتشل البشر من ظلمات الجهل والتخلف إلا بشق الأنفس، وقصص معارك العلم مع المؤسسة الدينية القديمة، بكل أشكالها، كثيرة وأكثر من أن تحصى، فقد كان التمسك بالنص أو بالأصح بتفسير ومفهوم النص عند هؤلاء سداً منيعاً أمام تقدم العلم، من جاليليو ومعارضة الكنيسة لمفهوم دوران الأرض حول الشمس، وبرونو الذى أحرق لأنه تبنَّى آراء كوبرنيكوس، وفرانكلين ووقوف الكنيسة ضده فى اختراع مانعة الصواعق، وإدوارد جينر ومعاركه مع رجال الدين حول لقاح الجدرى، ومع المؤمنين بأن اللقاح تعطيل لمشيئة الله.… إلخ، فى هذا المقال لمحة عن معركة أخرى مهمة لعل معظمنا لا يعرفها، وهى معركة التخدير.

تعد قصة مقاومة تخدير الولادة من أشهر الأمثلة على الصدام بين الأفكار الدينية السائدة آنذاك والتقدم الطبى فى القرن التاسع عشر، فقبل اكتشاف التخدير، كانت الولادة تجربة شديدة الألم، وكان كثير من الناس يرون أن هذا الألم جزء طبيعى لا يمكن الهروب منه. وبعد أن بدأ الأطباء استخدام مواد مثل Chloroform وEther لتخفيف الألم، واجهوا اعتراضات من بعض رجال الدين الذين استندوا إلى نص من سفر التكوين فى العهد القديم: «بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلَاداً»، معتبرين أن آلام الولادة عقوبة إلهية لا يجوز التدخل لإلغائها، وكان من أشهر من واجهوا هذه الاعتراضات الطبيب الاسكتلندى James Young Simpson، الذى أدخل الكلوروفورم إلى مجال التوليد عام 1847.

تعرض سيمبسون لهجوم عنيف، واتُهم بأنه يخالف إرادة الله ويحاول تعطيل قانون إلهى، لكن سيمبسون رد بحجة لاهوتية ذكية؛ إذ أشار إلى أن الله، وفق الرواية التوراتية نفسها، أوقع آدم فى «سبات عميق» قبل أن يأخذ ضلعاً منه لخلق حواء، معتبراً أن هذا أول «تخدير» فى التاريخ. كما سأل منتقديه: إذا كان تخفيف الألم مخالفاً للدين، فلماذا نعالج الأسنان أو الكسور أو الأمراض؟، ومع ذلك استمرت المقاومة لسنوات، إلى أن وقع حدث غيّر الرأى العام بشكل كبير.

ففى عام 1853 استخدمت Queen Victoria الكلوروفورم أثناء ولادة ابنها الأمير ليوبولد، ثم استخدمته مرة أخرى فى ولادة ابنتها بياتريس. عندما عُرف أن الملكة نفسها خضعت للتخدير وأشادت به، تراجعت كثير من الاعتراضات الاجتماعية والدينية، وأصبح استخدامه أكثر قبولاً، ومن المفارقات أن كثيراً من المعترضين لم يرفضوا تخفيف الألم فى الجراحة أو علاج الأمراض، لكنهم خصّوا آلام الولادة بالرفض بسبب تفسير دينى معين.

ومع تقدم العلم وتراكم الأدلة على سلامة التخدير وفوائده، أصبح تخفيف آلام الولادة جزءاً أساسياً من الرعاية الطبية الحديثة، هذه القصة تُظهر كيف أن الاعتراض على الابتكارات الطبية لم يكن دائماً قائماً على أدلة علمية، بل كثيراً ما استند إلى تصورات ثقافية أو دينية سادت فى عصر معين، ثم تراجعت عندما أثبتت التجربة أن إنقاذ الناس من الألم لا يتعارض مع الأخلاق ولا مع الإنسانية.