تجديد عصر الهيمنة الأمريكية
تختلف الآراء بشان الرئيس الأمريكي ترامب . محللون أمريكيون كبار لهم حيثية ومكانة في المجتمع الدولي يرون ترامب فاقد القدرة على القيادة بحنكة ويفتقد حكمة القرار وأنه تورط في الحرب ضد إيران معتقدا أن الأمر لا يعدو أن يكون هجمات جوية سريعة تطيح بالنظام الحاكم وبعدها تعود إيران تحت جنباحها وتابعة لإسرائيل كما كانت في عهد الشاه من قبل .
آخرون يرون أن الحرب ضد إيران ليست الهدف الأكبر أو الأساسي لأمريكا , إنما خطط ترامب وفريقه من خلال استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 لتحقيق وعده الانتخابي " أمريكا أولا " من خلال تطبيق ما أطلق عليه مبدأ ترامب , بإعلاء شأن الوطن الأمريكي أولا ودفع الحلفاء للإسهام في الدفاع عن أنفسهم وضرب الإرهابيين الإسلاميين وترك الخليج لإيران والدول العربية يتصارعون فيما بينهم بينما تسيطر إسرائيل على القيادة في المنطقة . يرغب ترامب في الاستحواذ على نصف الكرة الغربية , الأمريكيتين , جرينلاند , قناة بنما . وفي نفس الوقت محاصرة الصين بقطه إمدادات البترول عنها وغلق مضيق ملقا أمامها وتحفيز كل الجزر الكبيرة التابعة لها , اليابان , كوريا الجنوبية , الفلبين , وغيرها بما يقيد حركتها . ام روسيا فيترك أمرها لأوروبا الأغنى منها , وهو ما يستنزف الاقتصاد الروسي وينهكه .
لم تتوقف أمريكا أبدا عن السعي إلى إعادة تشكيل البيئة الدولية بما يضمن استمرار تفوقها الاستراتيجي . لكن ما نشهده اليوم يبدو مختلفا عن مجرد إدارة للنظام العالمي , فهناك شعور متزايد بأن واشنطن انتقلت إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إلى إعادة رسم خرائط النفوذ وممرات التجارة والطاقة وموازين القوة، بحيث تصبح أي قوة صاعدة عاجزة عن تهديد مركز الهيمنة الأمريكية .
في قلب هذا المشهد تقف الصين باعتبارها المنافس الأكبر . الصراع الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لا يدور حول أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو بحر الصين الجنوبي فحسب ، بل حول من يسيطر على شرايين الاقتصاد العالمي . تدرك واشنطن أن صعود بكين لم يكن نتيجة تفوق عسكري مباشر ، بل نتيجة اندماجها العميق في التجارة العالمية واعتمادها على تدفقات الطاقة والمواد الخام القادمة عبر البحار والمحيطات . لذلك تركز الاستراتيجية الأمريكية على إحكام السيطرة على الممرات البحرية الحيوية الممتدة من المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي ، ومن مضيق ملقا إلى طرق الملاحة العالمية التي تمر عبرها واردات النفط والغاز المتجهة إلى الصين .
تبدو سياسة الاحتواء وكأنها تعود بثوب جديد . فبدل المواجهة المباشرة ، يجري تطويق الخصم من أطرافه ، وتعزيز التحالفات العسكرية والاقتصادية حوله وإبقاءه تحت ضغط دائم يجبره على استنزاف موارده في الدفاع بدل التوسع . أما روسيا فتجد نفسها في مواجهة معضلة مختلفة , فالحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي ، بل تحولت إلى ساحة استنزاف طويلة المدى للقدرات الروسية , تحد من قدرتها على التحرك في مسارح أخرى ذات أهمية استراتيجية .
لكن التاريخ يعلمنا أن الحصار يولد البدائل , فالصين وروسيا تدركان أن البحر نقطة القوة الأمريكية الأساسية ، لذلك تسعيان إلى بناء شبكات برية هائلة تمتد عبر أوراسيا . هنا تظهر السكك الحديدية وخطوط الأنابيب والممرات الاقتصادية كأدوات جيوسياسية لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات . كل قطار يعبر آسيا الوسطى ، وكل أنبوب غاز يمتد من سيبيريا إلى الشرق ، يمثل محاولة لتقليص الاعتماد على الطرق البحرية التي تستطيع البحرية الأمريكية تهديدها في أوقات الأزمات .
من هنا تأتي أهمية المبادرات الصينية العابرة للقارات . فبكين لا تنظر إلى السكك الحديدية على أنها مجرد مشاريع تنموية ، بل تراها ضمانة استراتيجية ضد أي حصار بحري محتمل . كما أن روسيا بحكم موقعها الجغرافي الهائل ، تشكل العمق البري الذي تحتاجه الصين لتأمين جزء من احتياجاتها الحيوية بعيداً عن البحار الخاضعة للنفوذ الأمريكي .
هل تستطيع الولايات المتحدة فعلا السيطرة على العالم بهذه الاستراتيجية ؟ الإجابة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه . فأمريكا ما زالت القوة العسكرية والاقتصادية الأولى ، لكنها تواجه عالما مختلفا عن ذلك الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي . القوة لم تعد مركزة في عاصمة واحدة ، والتكنولوجيا تنتشر بسرعة ، والتحالفات أصبحت أكثر مرونة ، والاقتصادات الكبرى أكثر قدرة على الالتفاف على الضغوط التقليدية .
أما الشرق الأوسط فيتحول تدريجيا من مركز النظام العالمي إلى إحدى ساحاته الثانوية في الحسابات الأمريكية . الأولوية تنتقل شرقا نحو آسيا والمحيط الهادئ حيث يتم تحديد مستقبل موازين القوة العالمية . هنا يبرز الاعتقاد لدى بعض المحللين بأن واشنطن أصبحت أكثر استعدادا لترك حلفائها الإقليميين يتولون إدارة كثير من ملفات المنطقة بأنفسهم ، مع استمرار الدعم السياسي والعسكري عندما تقتضي المصالح ذلك .
يرى الخبراء أن الخطر الحقيقي في أن تؤدي سياسات الخنق المتبادل إلى تجاوز حدود المنافسة التقليدية . عندما تشعر قوة كبرى بأن طرق إمدادها مهددة أو أن مستقبلها الاستراتيجي محاصر ، تصبح احتمالات التصعيد أكثر واقعية . من هنا ينبع القلق العالمي من أن يتحول الصراع الأمريكي الصيني أو التوتر بين روسيا والغرب إلى مواجهة أوسع لا يرغب فيها أحد ، لكنها قد تنشأ نتيجة تراكم الأزمات وسوء التقدير أكثر مما تنشأ نتيجة قرار واع بالحرب .
يقف العالم اليوم عند مفترق طرق تاريخي , أمريكا تسعى إلى الحفاظ على وضعها المهيمن ، الصين تعمل على كسر الطوق المفروض عليها ، وروسيا تحاول منع تدهور نفوذها ، بينما تتغير خرائط التجارة والطاقة والتحالفات بوتيرة غير مسبوقة . من بين هذه القوى الكبرى يتشكل نظام عالمي جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد ، لكن المؤكد أن الصراع على الجغرافيا لم يعد صراعا على الأرض فقط ، بل أصبح صراعا على الممرات والشبكات والعقد التي تربط العالم كله ببعضه البعض .