اللغة وأشياء أخرى!

وليد طوغان

وليد طوغان

كاتب صحفي

الكلام لغة.. واللغات ليست وسيلة فقط للتفاهم ونقل المعلومات.. إنما اللغة دلالة على طريقة التفكير.. واختلاف

اللغات دليل على اختلاف القدرة على ترتيب المعلومات فى أذهان الشعوب.

فالعربى القديم كان نموذجاً فى البلاغة والقدرة على التفصيل فى الوصف.

لماذا؟

لأن اللغة العربية شديدة الوضوح وبلا مترادف، وكل لفظة تمنح الحديث معنى مختلفاً، حتى ولو مقارباً من المعنى الأصلى.. لكن المفردات فى العربية ليست مترادفة على الإطلاق.

اليابانية أقرب إلى الصينية أقرب إلى الكورية.

اللغات الثلاث تتفق فى أنها تراكيب صوتية أقرب إلى ما يمكن وصفه بالميكانيكا اللفظية.

لذلك، فاليابانيون أكثر شعوب العالم قدرة على الابتكار والاختراع فى الإلكترونيات، أما الألمانية فهى لغة غليظة ثقيلة شديدة الصرامة على عكس الفرنسية مثلاً.

لذلك فالألمانى عقلية هندسية شديدة الجدية برع فى اختراعات الآلة تماماً كما نبغ فى التأليف الموسيقى، أما الفرنسى فهو حالم عاطفى يتذوق الفنون ويتقن الموضة.

والموضة فى فرنسا شديدة الاختلاف عن الموضة فى إيطاليا، لأن الإيطالى عكس الفرنسى، الإيطالى ارتجالى مندفع سريع الانفعال.

فى بعض قبائل وسط أفريقيا للآن، يتكلمون لغات خاصة ولا يكتبونها، لا هى ولا أى لغات أخرى.
يعنى لا يعرفون الكتابة من الأساس.

والبعثات الأجنبية التى بحثت أمور تلك القبائل وجدت أن مساحات المنطق فى تفكير هؤلاء أقل من المتصور فى زمن صعد فيه الإنسان للقمر وتخاطب مع آخر عن بعد عن طريق شاشة تنقل الصوت والصورة فى التو واللحظة.

ويقال إن اللغة الصينية القديمة هى أوّل لغة كتبت على ظهر الأرض، ويقال أيضاً إن فرعاً من الصينية القديمة كانت الأولى أيضاً التى تكلم بها الإنسان القديم.

ربما لذلك كانت الحروف الصينية هى الأصعب على كل شعوب العالم.. للآن.

والصينيون الأوائل، بدأوا الكتابة برسم ما يودون أن يقولوه.

مثلاً: رسم دائرة مفرغة داخل مربع.. معناها أنه يريد أن يقول: ضع ثمرة الشجر داخل الصندوق.

ورسم خط مائل.. ممدود منه خطان أفقيان.. معناه أن هناك من يريد أن يبلغك السلام.. والخطان الممدودان أفقياً، معناهما أنه فاتح يديه لاحتضانك!

وفى اللغة القديمة لبعض أقاليم الشرق الأقصى، قلدوا أصوات البحر للدلالة على البحر، ولو أرادوا الإشارة إلى شجرة، فإنهم يقلدون صوت «حفيف أوراقها». وبعد عصور أصبح اسم الشجرة.. فى لغاتهم.. تقليد صوت «الحفيف»!

وفى العصر الحديث ظهَرَ ما يسمى بعلوم فيزياء اللغة.

ولما ظهر هذا العلم وجدنا فى اللغات مفاجآت.. ومن تحليل اللغة تكتشف أعاجيب.

فى اللغة العربية مثلاً.. كثير من مقلوبات الأفعال تدل على عكس الفعل.

إليك مثالاً: فعل رهن.. يعنى حبس الشىء وتقييده. ومعكوسه اللغوى كلمة: نهر.. وتعنى انسياب الشىء.. وجريانه.

وفعل حبس.. يعنى تقييد شىء ما ومنعه من الحركة.. ومن التجول. ومقلوب «حبس» اللغوى: سبح.. أى انساب وجرى ورحل.. وتنقل بيسر.

وتقول العرب: سبح فى الماء.. وسار على الأرض.

وفى السير على الأرض يبدو ثقل الجسم ظاهراً فى اللفظ.. لكنّ فى لفظ «سبح» كثيراً من المرونة والخفة.