الطب قبل معامل التحاليل

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

قبل ظهور أجهزة التحاليل الحديثة والمختبرات المجهزة بأحدث التقنيات، كان الأطباء يحاولون فهم أسرار الجسد البشري بأدوات تبدو لنا اليوم من قبيل الكوميديا والفولكلور المستهجن، فقد اعتمد التشخيص لقرون طويلة على الحواس الخمس: النظر والشم واللمس، بل وحتى التذوق أحياناً، وبينما يستطيع طبيب اليوم معرفة عشرات المؤشرات الحيوية من قطرة دم واحدة، كان الطبيب القديم يقف أمام المريض محاولاً استخراج الحقيقة من لون البول أو رائحته أو طعمه، ولعل أشهر تلك الممارسات هي تذوق البول لتشخيص مرض السكري، فقد لاحظ أطباء الحضارات القديمة في الهند ومصر واليونان، ثم الأطباء العرب فيما بعد، أن بعض المرضى يجذب بولهم النمل والحشرات، ومع مرور الوقت اكتشفوا أن بول هؤلاء المرضى يتميز بمذاق حلو، فكان بعض الأطباء يتذوقون قطرة صغيرة منه للتأكد من التشخيص.


ومن هنا جاء اسم المرض المعروف اليوم بالسكري Diabetes Mellitus، إذ تعني كلمة Mellitus «العسلي» أو «الحلو كالعسل». ولم يكن الأمر مجرد فضول طبي، بل كان في ذلك العصر أحد أكثر الاختبارات المتاحة دقة، كما اعتمد الأطباء على شم البول، فبعض الأمراض كانت تمنحه روائح مميزة.


فمرضى السكري الشديد قد يظهر في بولهم ما يشبه رائحة الفاكهة بسبب تراكم الأجسام الكيتونية، بينما كانت الالتهابات والمسالك البولية تترك روائح مختلفة يستدل بها الطبيب، واكتسب البول أهمية استثنائية في الطب القديم حتى ظهر ما عُرف باسم «علم فحص البول»، وكان الطبيب يضع العينة في قارورة زجاجية شفافة ويفحص لونها وصفاءها وترسباتها تحت ضوء الشمس، ثم يقارنها برسوم وجداول تضم عشرات الألوان المختلفة، وكان لون البول بالنسبة للطبيب القديم أشبه بنتيجة تحليل مخبري متكامل، يستنتج منه أمراض الكبد والكلى والجفاف والحمى وغيرها، ومن أغرب القصص في تاريخ التحاليل الطبية قصة اختبار الحمل عند المصريين القدماء، فقبل آلاف السنين لم تكن هناك أجهزة سونار ولا تحاليل هرمونية، لذلك لجأ المصريون إلى طريقة تبدو عجيبة لكنها تحمل جانباً علمياً مدهشاً.


كانت المرأة التي تشك في حملها تتبول يومياً على بذور القمح والشعير الموضوعة في أوعية منفصلة، فإذا بدأت البذور في الإنبات اعتُبرت المرأة حاملاً، وإذا لم تنبت عُدت غير حامل، والأغرب أنهم اعتقدوا أن الشعير إذا نبت أولاً كان الجنين ذكراً، أما إذا سبق القمح إلى النمو فالجنين أنثى.


وبعد آلاف السنين قرر علماء القرن العشرين اختبار هذه الفكرة، فوجدوا أن بول النساء الحوامل يزيد بالفعل من معدل إنبات بعض البذور مقارنة ببول غير الحوامل، ويرجَّح أن السبب هو وجود هرمونات الحمل بتركيزات مرتفعة، صحيح أن تحديد جنس الجنين بهذه الطريقة لم يثبت علمياً، لكن فكرة كشف الحمل نفسها كانت أكثر ذكاءً مما توقع كثير من الباحثين، ولم يقتصر الأمر على البول، فقد كان البراز يُفحص بالعين المجردة، حيث يراقب الطبيب لونه وقوامه ووجود الدم أو الديدان فيه.


وكان النظر إلى بياض العين وسيلة مهمة لتشخيص اليرقان، بينما اعتمد كثير من الأطباء على جس النبض لفترات طويلة اعتقاداً بأن كل مرض يترك بصمة خاصة على إيقاعه وسرعته. وكانت هذه الممارسات تمثل في زمانها ذروة المعرفة الطبية المتاحة، لكن المشهد تغير جذرياً مع اختراع المجهر وظهور علم الجراثيم على يد العلماء الرواد، ثم تطوُّر الكيمياء الحيوية وتقنيات المختبرات الحديثة.


وانتقل الطب من عصر التذوق والشم والتخمين إلى عصر القياس الدقيق والأرقام والنتائج القابلة للتحقق، واليوم يستطيع المختبر من بضعة ملليلترات من الدم أن يكشف مستويات السكر والدهون والهرمونات ووظائف الكبد والكلى والعشرات من الأمراض الوراثية والمناعية، وهي معلومات كانت مستحيلة المنال بالنسبة لأطباء الماضي.


إن تاريخ التحاليل الطبية ليس مجرد قصة تطور تقني، بل هو شهادة على رحلة الإنسان الطويلة في محاولة فهم جسده، رحلة بدأت بقارورة بول تحت ضوء الشمس وانتهت بمعامل قادرة على قراءة الشفرة الوراثية نفسها.