مصر مستقرة بتضحيات أبنائها

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

وسط هذا المشهد العربى والإقليمى المأساوى الذى يموج بالصراعات والانقسامات، تبرز مصر كاستثناء استراتيجى لافت، وفيما تتفتت الدول من حولنا، وتغرق أخرى فى حروب أهلية، وأخرى تتداعى على وقع صراعات النفوذ، تبدو الدولة المصرية عصيةً على الفوضى، بل وتسعى بثباتٍ -وثقة- لإعادة بناء كيانها الوطنى، فى تحدٍّ لكل المتغيرات.

هذا الاستثناء الذى صار واقعاً وحقيقة على الأرض لم يأتِ صدفةً ولا منحةً من أحد، لكنه جاء نتاجاً مباشراً لانتصار إرادة شعبٍ بأكمله فى ثورة 30 يونيو 2013، حين خرج عشرات الملايين لإنقاذ الدولة من مخالب جماعة الإخوان الإرهابية، وإجهاض مخططٍ كان يهدف إلى إعادة تقسيم المنطقة العربية بأسرها.

فى الثلاثين من يونيو عام 2013، كان مشهد الملايين المحتشدين فى الميادين المصرية كفيلاً بتغيير مسار تاريخ المنطقة، بعد عام واحد فقط من حكم الإخوان الذى تميَّز بالتسلط وسوء الإدارة ومحاولة احتكار السلطة.

خرج الشعب المصرى ليعلن أمام العالم كله رفضه لجماعة راهنت على فوضى ما سُمِّى بـ«الربيع العربى» لتنفيذ مشروعها الأيديولوجى، وجاءت الثورة كتصحيحٍ حقيقى للمسار، حين التقت إرادة ملايين المصريين مع دعم قواتهم المسلحة لإنهاء حكم «المرشد» وجماعته، دحضاً لمزاعمهم التى تشدقوا بها حول الشرعية.

لم يقتصر الأمر على الإطاحة بحكم «الإرهابية»، بل كان إنقاذاً للدولة المصرية ذاتها من أيادٍ كانت تخطط لتفكيكها من الداخل.

فالإخوان، كما أجمع المحللون فى أروقة مراكز الفكر الغربية، أظهروا خلال فترة حكم قصيرة أنهم لا يعرفون سوى لغة الاستقطاب والتهميش وتكريس الطائفية على حساب هوية المواطنة الجامعة.

وكان إسقاط هذا النموذج هو السبيل الوحيد لمنع تحول مصر إلى ساحةٍ لمشروعٍ إخوانى عابرٍ للحدود، لم يسلم منه جيرانها، وامتد ليشكل تهديداً وجودياً لأمن المنطقة بأكملها.

فى أعقاب ما سُمِّى بـ«الربيع العربى»، التقط كثير من مراكز الأبحاث الغربية والمخططين الاستراتيجيين خيط التقسيم والتفكك الذى أطل برأسه فى أكثر من دولة عربية.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تحليلات تتحدث عن إمكانية إعادة رسم الخريطة السياسية للعالم العربى، وذهبت إلى حد توقع تقسيم دول حددتها بالاسم هى سوريا والعراق وليبيا واليمن وحتى السعودية إلى 14 دويلةً طائفية وعرقية وقبلية.

وكان سيناريو التفكيك هذا يطمح لاستكمال مساره ليصل إلى مصر الدولة الأكثر مركزية وثباتاً فى العالم العربى، وسارت خطة إضعاف الجيوش العربية وتفتيت مقدرات الدول القومية فى طريقها المخطط سلفاً، وما كان ليكتمل إلا بإسقاط الدولة المصرية وتمزيق نسيجها الوطنى.

واستكمالاً لدوره التاريخى، وقف الشعب المصرى بثورة 30 يونيو سداً منيعاً فى وجه هذا الطوفان، ولم يكتفِ بإسقاط حكم الإخوان، بل أحبط السيناريو الأكبر الذى كان يستهدف العالم العربى بأكمله.

وعى الشعب المصرى وثورته فى 30 يونيو أوقف هذا المخطط عند حدود الدولة المصرية، وحال دون اكتمال حلقة التقسيم التى كانت ستعقب حكم الإخوان حال استمراره.

وأكد عدد من الباحثين والمراقبين الغربيين أن سقوط الدولة المصرية أو انزلاقها إلى الفوضى كان سيؤدى إلى تداعيات استراتيجية هائلة على المنطقة بأكملها، نظراً للمكانة التى تحتلها مصر فى النظام العربى، ولذلك اعتبر العديد من المحللين أن الحفاظ على استقرار مصر كان عاملاً حاسماً فى منع اتساع دوائر الفوضى الإقليمية.

كما أن تراجع نفوذ جماعة الإخوان الإرهابية بعد عام 2013 لم يقتصر أثره على الداخل المصرى فقط، لكنه امتد إلى التنظيمات والشبكات المرتبطة بها فى المنطقة.

والحقيقة التى لا يمكن إنكارها أن الاستقرار الذى تنعم به مصر اليوم لم يكن هبة مجانية، ولم يتحقق بقرارات سياسية فقط، وإنما جاء نتيجة تضحيات جسيمة قدَّمها أبناء الوطن من رجال القوات المسلحة والشرطة والمدنيين.

فسنوات المواجهة مع الإرهاب شهدت سقوط مئات الشهداء والجرحى فى معارك شرسة ضد تنظيمات مسلحة استهدفت مؤسسات الدولة ودور العبادة والمواطنين الأبرياء على السواء.

النتيجة العملية التى يصعب تجاهلها الآن، هى أن الدولة المصرية ما زالت قائمة ومتماسكة وقادرة على القيام بوظائفها الأساسية فى محيط إقليمى ما زال يعانى من أزمات ممتدة، كما أن تجربة مكافحة الإرهاب التى خاضتها مصر خلال السنوات الماضية أكدت أن الحفاظ على الدول الوطنية يتطلب تضحيات كبيرة وإرادة مجتمعية متماسكة ومؤسسات قادرة على الصمود.

دفع المصريون ثمناً باهظاً دفاعاً عن حقهم فى الأمن والاستقرار والحفاظ على دولتهم الوطنية.

الاستقرار الذى تعيشه مصر اليوم ليس وليد الصدفة، ولا نتاج ظرف عابر، بل هو حصيلة معركة طويلة خاضتها الدولة والمجتمع معاً من أجل البقاء، فى واحدة من أكثر الفترات اضطراباً فى التاريخ الحديث للمنطقة العربية.

وما يميز مسار مصر عن غيرها من الدول التى هوت فى فوضى الربيع العربى، هو ثورة 30 يونيو التى استعاد فيها الشعب قراره، وحطم الجيش المصرى آلة الإرهاب، واستطاعت الدولة أن تنتصر فى معركة الوعى ضد الجماعات الظلامية، ومَن وراءها.

إنه استقرار أصر عليه المصريون، وكتبوه بدم الشهداء ليحكموا أرضهم وليصدروا رسالة للعالم: مصر قوية بأبنائها، وحدها تصنع قدرها وتحمى عرضها وتقف كعادتها فى وجه كل المخططات التى تريد هدم وطنهم وتقسيم الوطن العربى.