التأمين الصحي.. مشروع القرن

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

إن حرص السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي على تقديم خدمة صحية تليق بالمواطن المصري لا يظهر فقط في إطلاق المشروعات الصحية الكبرى، وإنما يتجسد أيضاً في متابعته المستمرة والدقيقة لتفاصيل تنفيذها على أرض الواقع. لذلك يحرص بين الحين والآخر على عقد اجتماعات دورية مع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار للاطلاع بنفسه على مستجدات منظومة التأمين الصحي الشامل ومراحل تنفيذها في المحافظات المختلفة، باعتبارها أحد أهم المشروعات القومية التي تحظى برعاية واهتمام شخصي منه. فالدولة تدرك أن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بتوفير رعاية صحية متطورة وعادلة، وأن صحة المواطن ليست مجرد خدمة تقدمها الحكومة، بل حق أصيل وركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة.
أتصور أن اكتمال منظومة التأمين الصحي الشامل لتشمل جميع المواطنين في مصر سيكون بحق مشروع القرن بالنسبة للمصريين، لأنه لا يتعلق ببناء طريق أو مدينة جديدة أو إنشاء بنية تحتية فحسب، بل يرتبط بأغلى ما يملكه الإنسان: صحته وحياته وكرامته.
فعلى مدار عقود طويلة عانى ملايين المصريين من رحلة المرض وما يصاحبها من أعباء مالية ونفسية، واضطرت أسر كثيرة إلى بيع ممتلكات أو الاستدانة من أجل علاج مريض أو إجراء جراحة أو توفير دواء. وكانت لحظة الإصابة بالمرض تمثل بالنسبة للكثيرين بداية معاناة جديدة قد تمتد لسنوات.
من هنا تأتي أهمية مشروع التأمين الصحي الشامل الذي يتبناه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، باعتباره أحد أكبر المشروعات الاجتماعية والإنسانية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة. فهذا المشروع لا يقدم خدمة علاجية فقط، بل يؤسس لفكرة العدالة الصحية، بحيث يحصل المواطن على حقه في العلاج والرعاية الطبية دون تمييز، وبمستوى يليق بكرامة الإنسان.
صحيح أن اكتمال المنظومة لتشمل جميع أنحاء الجمهورية يحتاج إلى سنوات من العمل والتوسع والتطوير، لكن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن المشروع يسير بخطوات ثابتة نحو تحقيق أهدافه. وقد بدأت بالفعل محافظات عدة في جني ثمار المنظومة الجديدة، وعلى رأسها محافظات إقليم القناة، التي شهدت نقلة كبيرة في مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وخلال الفترة المقبلة تنضم محافظات جديدة إلى المنظومة، من بينها عدد من محافظات الصعيد، إلى جانب محافظة مطروح في شمال غرب مصر، وهو ما يعكس حرص الدولة على وصول الخدمة إلى مختلف المناطق الجغرافية، من المدن الكبرى إلى المحافظات الحدودية.
إن نجاح التأمين الصحي الشامل لن يقاس بعدد المستشفيات أو الأجهزة الطبية فقط، بل بعدد الأُسر التي ستتخلص من هاجس المرض وتكاليف العلاج، وعدد المواطنين الذين سيحصلون على خدمة طبية محترمة دون أن يتحملوا أعباء تفوق قدراتهم.
وعندما تكتمل المنظومة في جميع المحافظات، سيكتشف المصريون أنهم أمام تحول تاريخي حقيقي في حياتهم اليومية، وأن هذا المشروع لم يكن مجرد برنامج حكومي، بل استثمار في الإنسان المصري نفسه، وهو الاستثمار الأهم والأبقى. لذلك أرى أن التأمين الصحي الشامل يستحق أن يوصف بأنه أحد أعظم المشروعات الوطنية في تاريخ مصر الحديثة، وربما يكون بالفعل مشروع القرن بالنسبة للمصريين.
لو ذهبنا إلى لغة الأرقام سوف نجد أن الأرقام وحدها تكشف حجم الاهتمام الذي توليه الدولة المصرية لملف الصحة. ففي عام 2014 كانت المخصصات الموجهة لقطاع الصحة تدور حول 32 إلى 33 مليار جنيه، بينما ارتفعت في موازنة 2026/2027 إلى 602 مليار جنيه، في زيادة تعكس تحولاً جذرياً في نظرة الدولة إلى حق المواطن في الرعاية الصحية. كما تعمل الدولة على تنفيذ ما يقرب من 1297 مشروعاً صحياً في مختلف المحافظات بتكلفة تصل إلى 842 مليار جنيه، ضمن خطة تطوير واسعة تستهدف الارتقاء بالبنية التحتية الطبية والخدمات العلاجية. وتشير التصريحات الرسمية إلى أن خريطة التطوير الصحي تمتد إلى جميع محافظات الجمهورية دون استثناء، بما يؤكد أن بناء منظومة صحية حديثة لم يعد مشروعاً محلياً أو مرحلياً، بل أصبح مشروعاً قومياً متكاملاً.
هذه الأرقام لا تعبر فقط عن حجم الإنفاق أو عدد المشروعات، بل تعكس بوضوح إيمان القيادة السياسية بأن صحة الإنسان المصري هي أساس التنمية الحقيقية، وأن الاستثمار في المستشفيات والوحدات الصحية والأجهزة الطبية والتأمين الصحي الشامل هو استثمار مباشر في الإنسان نفسه، باعتباره الثروة الأهم لأي وطن. ولذلك فإن المتابعة المستمرة للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسي لملف الصحة، وحرصه على الوقوف بنفسه على تطورات منظومة التأمين الصحي الشامل، تأتي ترجمة عملية لقناعة راسخة بأن المواطن المصري يستحق خدمة صحية تليق به وتوفر له حياة أكثر أماناً وكرامة.
وحتى تكتمل منظومة التأمين الصحي الشامل لتشمل جميع المصريين في مختلف المحافظات، لم تترك الدولة المواطن يواجه المرض بمفرده، بل وفّرت منظومة العلاج على نفقة الدولة التي تمثل طوق نجاة لملايين المواطنين غير القادرين. واليوم يستطيع المريض الحصول على قرار العلاج خلال فترة وجيزة، قد لا تتجاوز 48 ساعة من دخوله المستشفى الحكومي وإجراء الفحوصات المطلوبة، بما يضمن سرعة التدخل الطبي وتخفيف الأعباء عن الأسر المصرية.
لذلك فإن الحديث عن التأمين الصحي الشامل لا يتعلق فقط بمشروع للمستقبل، بل بمنظومة متكاملة تعمل بالفعل على حماية صحة المصريين في الحاضر، بينما يجري بناء المستقبل الصحي الذي يضمن لكل مواطن حقه في العلاج والرعاية الطبية الكريمة. وعندما تكتمل هذه المنظومة في جميع أنحاء الجمهورية، سيدرك المصريون أنهم أمام أحد أعظم المشروعات الإنسانية والاجتماعية في تاريخ الدولة الحديثة، مشروع لا يبني مستشفيات فقط، بل يبني الأمان والطمأنينة في حياة ملايين الأسر المصرية.