اليوم التالي في كوبا.. هل تستطيع القوات الأمريكية إسقاط «الجزيرة الثورية»؟
اليوم التالي في كوبا.. هل تستطيع القوات الأمريكية إسقاط «الجزيرة الثورية»؟
في شواطئ تقع شرق هافانا، لا تزال أبراج مراقبة صدئة تعود إلى ستينيات القرن الماضي تهيمن على الأفق، شيدت بعد فشل غزو خليج الخنازير، حين كانت كوبا تتوقع هجومًا أمريكيًا وشيكًا في ذروة الحرب الباردة.
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو تلك الأبراج وكأنها بقايا مرحلة تاريخية انتهت، حين كانت الجزيرة ذات أهمية استراتيجية محدودة لواشنطن المنشغلة بملفات أكثر اتساعًا مثل أوروبا والصين والشرق الأوسط.
لكن كوبا تعود اليوم إلى صدارة المشهد مجددًا، في ظل تحولات كبيرة في سياسة الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وما يرافقها من تصعيد اقتصادي وضغوط سياسية غير مسبوقة على هافانا.
في هذا السياق، يرى ريكاردو زونيجا، الدبلوماسي الأمريكي السابق والمستشار في مجلس الأمن القومي خلال إدارة باراك أوباما، أن فهم مستقبل كوبا يتطلب التفريق بين ما تستطيع الولايات المتحدة فعله فعليًا، وما تعتقد أنها قادرة على تحقيقه بالقوة، بحسب تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية.
من هامش الجغرافيا إلى مركز الحسابات الأمريكية
وأشار إلى أن كوبا، التي كانت تعامل لسنوات كقضية ثانوية في أجندة واشنطن، عادت لتصبح ملفًا أمنيًا وسياسيًا أكثر تعقيدًا.
فمع تصاعد الحديث عن حسم سريع ضد النظام في هافانا، وفرض حصار اقتصادي واسع شمل قطاع الطاقة والعقوبات الثانوية على الشركات الأجنبية، دخلت الجزيرة مرحلة ضغط غير مسبوقة منذ عقود.
لكن هذه المقاربة، وفق التحليل، تعكس تصورًا مبالغًا فيه حول قدرة القوة العسكرية والاقتصادية على إعادة تشكيل النظام السياسي الكوبي بشكل سريع.
حدود القوة العسكرية الأمريكية
رغم أن التفوق العسكري الأمريكي على كوبا شبه مطلق، حذر زونيجا من الخلط بين القدرة على تدمير البنية العسكرية للدولة وبين القدرة على فرض تغيير سياسي مستقر.
فأي تدخل عسكري مباشر يؤدي، نظريًا، إلى انهيار سريع للقوات النظامية الكوبية، لكنه لن يضمن بالضرورة انتقالًا سياسيًا سلسًا، بل إن التجربة التاريخية تشير إلى أن الأنظمة ذات البنية الأمنية والأيديولوجية الراسخة قادرة على التحول إلى حركات مقاومة ممتدة، حتى بعد هزيمتها عسكريًا.
وفي حالة كوبا، يقوم العقيدة الدفاعية على ما يعرف بحرب الشعب الشاملة، وهي استراتيجية تفترض خسارة المواجهة التقليدية لصالح حرب استنزاف طويلة ضد أي قوة احتلال، عبر شبكات مقاومة موزعة جغرافيًا.
معضلة التغيير بالقوة
يشير التحليل إلى أن إدارة ترامب تنطلق من فرضية أن الضغط الأقصى، وربما التدخل العسكري، يمكن أن يعجل بتفكيك النظام السياسي في هافانا، على غرار ما حدث في نماذج أخرى داخل المنطقة.
لكن المشكلة، بحسب هذا الطرح، أن البنية السياسية الكوبية أكثر تماسكًا مما تبدو عليه، فالنظام، الممتد منذ أكثر من ستة عقود، لا يعتمد على مركز قيادة فردي يمكن إسقاطه بسهولة، بل على شبكة من المؤسسات تشمل الحزب الشيوعي، والجيش، والأجهزة الأمنية، وإدارات الشركات الحكومية، ما يجعل عملية تفكيكه أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف قياداته العليا.
من الضغط إلى الدبلوماسية
في المقابل، طرح خيارًا مختلفًا يقوم على إعادة إدخال الدبلوماسية كأداة مركزية في إدارة العلاقة مع كوبا، بدل الاعتماد على القوة وحدها.
هذا المسار، وفق رؤيته، يتطلب قنوات اتصال مستقرة بين الطرفين، تسمح بمناقشة الملفات الأكثر حساسية مثل الأمن الإقليمي، والهجرة، والعلاقات الاقتصادية، مقابل تقديم حوافز تدريجية تشمل تخفيف العقوبات وربطها بإصلاحات سياسية واقتصادية داخلية.
وأشار إلى أن نجاح أي مسار تفاوضي مشروط بقدرة واشنطن على التعامل مع البنية المعقدة للنظام الكوبي، وعدم افتراض وجود نقطة انهيار يمكن من خلالها فرض انتقال سياسي سريع.
اقتصاد منهك
اقتصاديًا، تواجه كوبا أزمة حادة تتراوح بين تراجع السياحة، وانكماش الناتج المحلي، وأزمة طاقة ممتدة، إضافة إلى موجات هجرة واسعة أضعفت سوق العمل الداخلي.
لكن رغم هذا الانهيار النسبي، أكد التحليل أن الحل لا يمكن أن يكون خارجيًا بالكامل، فحتى في حال تخفيف العقوبات، يبقى مستقبل كوبا مرتبطًا بقدرة حكومتها على إدخال إصلاحات هيكلية في الاقتصاد، تشمل توسيع القطاع الخاص، وتحرير الاستثمار، وإعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي.