محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. ضياء فتوح ضابط المفرقعات الذي سبق الانفجار

كتب: محمود الجارحي

محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. ضياء فتوح ضابط المفرقعات الذي سبق الانفجار

محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. ضياء فتوح ضابط المفرقعات الذي سبق الانفجار

ضياء فتوح.. ضابط شاب اختار واحدة من أصعب المهام داخل جهاز الشرطة.. مهمة لا تعرف الخطأ.. ولا تمنح أصحابها فرصة ثانية إذا أخطأوا في تقدير الموقف.. فكانت حياته كلها مواجهة يومية مع الموت من أجل إنقاذ الآخرين.

جاءت رحلته في سنوات صعبة عاشتها مصر عقب ثورة 30 يونيو.. حين خاضت الدولة معركة شرسة ضد الإرهاب.. ووقف رجال الجيش والشرطة في الصفوف الأولى دفاعًا عن الوطن ومؤسساته واستقرار شعبه.

كان يؤمن أن الواجب لا يُؤجل.. وأن حياة المواطنين أمانة في عنقه.. لذلك لم يتردد يومًا في التقدم نحو الخطر عندما يبتعد عنه الجميع.

في ظهر السادس من يناير 2015.. تلقت إدارة المفرقعات بلاغًا بالعثور على عبوة ناسفة أمام قسم شرطة الطالبية بشارع الهرم.. في منطقة تعج بالمارة والسيارات وعلى مقربة من محطة وقود.

ل

وصل إلى موقع البلاغ ضمن فريق المفرقعات.. وبعد تأمين محيط المكان بدأ في التعامل مع العبوة الناسفة ومحاولة إبطال مفعولها قبل أن تنفجر وتحصد أرواح الأبرياء.

ضياء فتوح.. كان يعرف حجم الخطر الذي يواجهه.. لكنه تقدم كعادته بثبات وشجاعة.. واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا.. إنقاذ المواطنين ومنع وقوع كارثة.

وثقت عدسات الكاميرات تلك اللحظات الأخيرة.. إذ أظهر مقطع فيديو تم تداوله لاحقًا الشهيد أثناء أداء عمله أمام قسم شرطة الطالبية.. قبل أن يقع الانفجار المفاجئ خلال محاولة تفكيك العبوة.

في ثوانٍ معدودة تحول المشهد إلى مأساة.. ارتقى خلالها ضابط المفرقعات شهيدًا وهو يؤدي واجبه.. بعدما واجه الخطر بنفسه ومنع وقوع خسائر أكبر بين المواطنين.

خلف البطل أسرة صغيرة كانت تنتظر عودته إلى المنزل.. وطفلة رضيعة لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر.. لتكبر فيما بعد على حكاية أبٍ أصبح اسمه عنوانًا للتضحية والفداء.

لم تنته القصة عند لحظة الاستشهاد.. فسرعان ما بدأت أجهزة الأمن في تتبع خيوط الجريمة وكشف المتورطين فيها.

وأثبتت التحقيقات أن عناصر تنظيم «أجناد مصر» الإرهابي كانت وراء زرع العبوة الناسفة التي أودت بحياته.. كما كشفت تورط التنظيم في عدد من العمليات الإرهابية الأخرى التي استهدفت رجال الشرطة.

نجحت أجهزة الأمن في ملاحقة أفراد الخلية الإرهابية وضبط عدد من عناصرها.. كما تمكنت من توجيه ضربات قوية للتنظيم انتهت بالقضاء على قياداته وتفكيك بنيته المسلحة.

وفي السابع من ديسمبر عام 2017.. أصدرت المحكمة أحكامها بإعدام عدد من عناصر خلية «أجناد مصر» بعد إدانتهم في القضية.. لتنتصر العدالة لدماء الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لحماية الوطن.

وبقي اسم الشهيد حاضرًا في ذاكرة أبناء قريته التلين بمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية.. بعدما أطلقت الدولة اسمه على إحدى المدارس تخليدًا لبطولته وتقديرًا لما قدمه.

لم يكن يبحث عن بطولة أو شهرة.. ولم يخرج من منزله في ذلك اليوم وهو يعلم أنه لن يعود.. لكنه فعل ما اعتاد أن يفعله دائمًا.. ذهب إلى واجبه.

رحل ضياء فتوح.. وبقيت صورته وهو يتقدم نحو العبوة الناسفة في شارع الهرم شاهدًا على معنى نادر للشجاعة.. وبقيت حكايته تروي للأجيال أن هناك رجالًا اختاروا أن يدفعوا حياتهم ثمنًا ليعش الآخرون في أمان.