ما سر البقعة الباردة الوحيدة في المحيط الأطلسي؟ لغز «ثقب الاحترار» يحير العلماء
ما سر البقعة الباردة الوحيدة في المحيط الأطلسي؟ لغز «ثقب الاحترار» يحير العلماء
- المحيط الأطلسي
- الدوران الانقلابي الأطلسي
- دوران المحيط الأطلسي
- البقعة الباردة في المحيط الأطلسي
- ثقب الاحترار
على الرغم من أن علم تغير المناخ يتسم بالتعقيد الشديد، إلا أن تأثيره العام يظل بسيطاً للغاية وواضحاً للعيان، ويتمثل في أن الكوكب يزداد دفئًا باستمرار، ومع ذلك، تشكل تلك البقعة الباردة الواقعة في منطقة جنوب شرق جرينلاند استثناءً غريبًا، والتي لم يتمكن أحد في السابق من تفسيرها بطريقة صحيحة؛ فهذه البقعة، التي يُطلق عليها أيضًا اسم «ثقب الاحترار»، هي عبارة عن رقعة واسعة المساحة في شمال المحيط الأطلسي، وقد انخفضت درجة حرارتها بما يصل إلى درجة مئوية واحدة كاملة على مدى العقود القليلة الماضية، في وقت يسجل فيه بقية العالم ارتفاعًا قياسيًا في الحرارة.
ما هو الدوران الانقلابي الأطلسي؟
ويعتقد العلماء الآن أنهم توصلوا بوضوح إلى معرفة ما يكمن وراء تشكل هذه البقعة الفريدة، مشيرين إلى «الدوران الانقلابي الأطلسي»، وهو عبارة عن مجموعة معقدة ومتشابكة من التيارات البحرية، ويقوم هذا التيار الأطلسي بنقل المياه السطحية الدافئة والمالحة من المناطق الاستوائية مباشرة إلى شمال المحيط الأطلسي، حيث تبرد هناك وتغرق في أعماق المحيط، ويؤثر هذا الحزام الناقل المحيطي بشكل هائل وبالغ الأهمية على حالة الطقس العالمي، نظرًا لأن هذه التيارات تنقل الحرارة بانتظام حول الكوكب، وبالتالي فإن أي تغييرات تطرأ عليه سيكون لها حتمًا آثار متتالية ومتسارعة على أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، بحسبما ذكرت صحيفة «مترو» البريطانية.
ووفقًا لدراسة حديثة وموسعة نُشرت في مجلة «Geophysical Research Letters» العلمية، فإن هناك تغييرًا ضخمًا يحدث الآن، يتمثل في أن نظام الدوران الانقلابي الأطلسي يضعف بشكل ملحوظ، ورغم أن تباطؤ دوران المحيط الأطلسي ليس اكتشافًا جديدًا في حد ذاته، إلا أن العلماء لم يتمكنوا أبدًا في السابق من الاتفاق على سبب محدد لحدوث هذا التباطؤ، وبما أن تيارات المحيط الأطلسي تتغذى وتتحرك بفعل عوامل الرياح، الملوحة، والحرارة، فقد أشار بعض الخبراء إلى أن البقعة تتكون بفعل رياح قوية قد تجبر المحيط على مزيد من التبخر، مما يؤدي بالتبعية إلى سحب الحرارة من مياه المحيط؛ ومع ازدياد نسبة وبخار الماء في الهواء، تتشكل كميات أكبر من السحب في الأعلى، مما يحجب أشعة الشمس فوق المحيطات الواقعة أسفل جرينلاند.
لكن عالم المناخ «وي ليو» من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، والذي قاد هذه الدراسة، وجد بعد بحث دقيق أن هذه البقعة الباردة تقع على عمق سحيق يصل إلى 1000 متر تحت السطح، وهو ما يشير بقوة إلى أن المحيط نفسه هو العامل الأكبر والمحرك الأساسي وليس الغلاف الجوي، ووجد الفريق أن معدل فقدان الحرارة من سطح المحيط قد انخفض في تلك البقعة تحديدًا منذ عام 1955، وأكد «ستيفان رامستورف» من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ في ألمانيا، والذي شارك أيضًا في إعداد هذه الدراسة، أن عوامل الرياح والغيوم لا تفسر في الواقع سوى جزء متواضع وضئيل جداً من ثقب الاحترار، مما يدعم الفرضية المتعلقة بتغير التيارات البحرية.

تباطؤ دوران المحيط الأطلسي
أما بشأن ما يعنيه ضعف دوران المحيط الأطلسي بالنسبة للبشرية، فإنه في الوقت الذي تغطي فيه تلك البقعة الجليدية جزءًا من جرينلاند، فإن الجزء المتبقي من البلاد لا يزال يقع تحت وطأة وتأثير الاحتباس الحراري العالمي؛ ونتيجة لذلك، تتدفق كميات هائلة من المياه الباردة والعذبة الناتجة عن الصفائح الجليدية الذائبة في البلاد صبّاً في المحيط الأطلسي، وكل هذه المياه الباردة المتدفقة والتي تتخبط في كل مكان، تعمل بشكل مباشر على تخفيف ملوحة وكثافة المياه الاستوائية الدافئة التي تجلبها إحدى التيارات الرئيسية في المحيط الأطلسي، وهي تيار الخليج، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إبطائها بشكل حاد.
وعندما يتباطأ جزء من دوران المحيط الأطلسي، فإن ذلك قد يؤدي تتابعًا إلى توقف النظام بالكامل؛ حيث يعتقد العلماء أن هذا الدوران سيضعف بنسبة لا تقل عن 20% بحلول عام 2100، وربما يتوقف تمامًا عن الحركة بمرور الوقت، ومن جانبه، أوضح «جيم إن آر ديل»، خبير المناخ البريطاني الذي لم يشارك في الدراسة، أن هذا التباطؤ يعني أن كمية أقل من الحرارة الاستوائية الدافئة ستشق طريقها إلى المناطق الشمالية من المحيط الأطلسي، مما سيجعل المملكة المتحدة ودول الشمال الأوروبي أكثر برودة بشكل حاد.
وأضاف خبير الأرصاد الجوية السابق في هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، أن دوران المحيط الأطلسي أحد أكبر وأخطر نقاط التحول في منظومة تغير المناخ، والذي من شأنه أن يتسبب في إحداث تغييرات بيئية سريعة للغاية ويصعب عكسها أو إصلاحها؛ إذ من المتوقع أن نشهد فصول شتاء قاسية مصحوبة بثلوج كثيفة ودرجات حرارة متجمدة تستمر لأوقات طويلة للغاية.
أما خارج القارة الأوروبية، فيتوقع العلماء أن يؤدي فقدان وتوقف دوران المحيط الأطلسي إلى عواقب وخيمة أخرى، من بينها ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل سريع ومتسارع في أمريكا الشمالية، في حين أن منطقة الساحل في إفريقيا ومناطق الرياح الموسمية المعتادة في قارة آسيا من المرجح جدًا أن تحصل على كميات أقل بكثير من الأمطار المعتادة.