قائد «سنتكوم» السابق: مضيق هرمز أهم عند إيران من «النووي».. وداعش لم ينته بمقتل «البغدادي» (حوار)

كتب: محمد عبد العزيز

قائد «سنتكوم» السابق: مضيق هرمز أهم عند إيران من «النووي».. وداعش لم ينته بمقتل «البغدادي» (حوار)

قائد «سنتكوم» السابق: مضيق هرمز أهم عند إيران من «النووي».. وداعش لم ينته بمقتل «البغدادي» (حوار)

بعد سنوات من مغادرته قيادة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، لا يزال الجنرال جوزيف فوتيل ينظر إلى المنطقة بعين القائد العسكري الذي أمضى سنوات في إدارة الحرب على داعش ومراقبة النفوذ الإيراني.

وبينما تتواصل المواجهة بين واشنطن وطهران، يبدو حديثه بعيدًا عن لغة الانتصارات الحاسمة، فحين سألناه خلال حواره مع «الوطن»، عما إذا كانت الولايات المتحدة نجحت في ردع إيران، جاءت إجابته حذرة: «لا أعتقد أن ذلك أصبح واضحًا بعد»، مؤكدا أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في الضربات العسكرية الأخيرة، بل في ما يراه غيابًا لاستراتيجية أمريكية مستقرة تجاه الشرق الأوسط، موضحا أن واشنطن لم تنجح خلال العقد الأخير في الحفاظ على سياسة طويلة المدى لحماية مصالحها في المنطقة.

نتيجة الحرب على إيران لا تزال غير محسومة

يرفض الجنرال جوزيف فوتيل توصيف المواجهة الحالية مع إيران باعتبارها حرب استنزاف، رغم الخسائر التي تعرضت لها القدرات الإيرانية، فالهدف الأمريكي، كما يقوله ويفهمه، كان دفع طهران إلى التراجع عن برنامجها النووي وشبكة وكلائها الإقليميين وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة، لكن النتيجة النهائية لا تزال، في رأيه، غير محسومة.

خلال الحوار مع جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» والمسؤول عن إدارة العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال ذروة الحرب على تنظيم داعش، تحدث عن الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة، وأزمة مضيق هرمز، وقيادة الحملة العسكرية الأمريكية للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي.

أكبر أخطاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير

يقول «فوتيل» إن أكبر التحديات التي واجهت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي تمثلت في غياب سياسة واستراتيجية طويلة الأمد ومتسقة لكيفية حماية الولايات المتحدة لمصالحها الحيوية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

وفي تعليقه بشأن اعتقاده أن المواجهة مع إيران انتقلت من الردع المباشر إلى حرب استنزاف غير معلنة، قال إنه لا يعتبر ما يحدث الآن حرب استنزاف، مضيفًا: «صحيح أننا استنزفنا كثيرًا من القدرات الإيرانية، لكنني لا أرى أن الحملة العسكرية الأمريكية تركز حاليًا على هذا الهدف».

ويضيف: «أقدر أن الولايات المتحدة كانت تأمل أن تدفع الضربات العسكرية النظام الإيراني إلى التراجع عن طموحاته النووية، واستخدامه للوكلاء، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، في الوقت الراهن، أعتقد أن من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت بالفعل في ردع إيران».

كيف ينظر فوتيل إلى مضيق هرمز؟

أكثر ما يلفت الانتباه في حديث جوزيف فوتيل هو نظرته إلى مضيق هرمز، فالجنرال الذي قاد القوات الأمريكية في منطقة الخليج لا يشكك في قدرة البحرية الأمريكية على إبقاء المضيق مفتوحًا إذا اتخذ القرار السياسي بذلك: «ذلك سيتطلب موارد هائلة للغاية، كما ستكون تكلفة استمراره مرتفعة جدًا، رغم أنه أمر ممكن من الناحية العسكرية»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن واشنطن لم تصل بعد إلى قناعة بضرورة اتخاذ هذه الخطوة طالما لا يزال هناك أمل في التوصل إلى تسوية تفاوضية.

فوتيل: مضيق هرمز أهم من القنبلة النووية

ويرى القائد العسكري أن إيران خرجت من الأزمة الحالية بإدراك جديد لقيمة المضيق كورقة نفوذ استراتيجية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يلمح إلى أن هذه الورقة قد تكون بالنسبة لطهران أكثر أهمية اليوم من امتلاك سلاح نووي: «أعتقد أن إيران أصبحت تدرك أكثر من أي وقت مضى مدى أهمية المضيق، وكيف يمكنها استغلال ميزتها الجغرافية لإغلاقه وخلق ضغوط على النظام العالمي».

وعندما سألناه عن القرار الوحيد الذي كان سيتخذه لو أُتيحت له فرصة منع انزلاق المواجهة الحالية مع إيران إلى حرب إقليمية واسعة، لم يتحدث «فوتيل» عن ضربة عسكرية أو عملية نوعية، بل عن بناء تحالف دولي أوسع، قائلا إن أولويته ستكون تشكيل تحالف عسكري دولي قادر على زيادة الضغط على إيران وعلى الجهات الداعمة لها، مثل الصين، من أجل إعادة فتح مضيق هرمز.

مواجهة داعش.. وخبرة سنوات

لكن خبرة «فوتيل» لا تقتصر على متابعة الصراع مع إيران والتطورات في الشرق الأوسط فقط، فقبل سنوات، كان الرجل يقود واحدة من أكبر الحملات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، عندما أشرف من موقعه قائدًا للقيادة المركزية الأمريكية على الحرب ضد داعش خلال مرحلتها الأكثر حسمًا، وبين معارك الموصل والرقة، تابع عن قرب تفكك ما يعرف بـ«دولة الخلافة» التي أعلنها التنظيم، وهو ما جعله من أكثر القادة العسكريين الأمريكيين اطلاعًا على كيفية صعود التنظيمات المسلحة وسقوطها، والدروس التي تبقى بعد انتهاء المعارك الكبرى.

عندما سألناه عن اغتيال زعيم داعش أبو بكر الغدادي، يعود إلى فكرة لطالما دافع عنها داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، التنظيمات لا تُهزم بقتل قادتها فقط، فمن واقع تجربته، تتمتع الشبكات المتطرفة بقدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج القيادات، وهو ما يجعل استهداف البنية التنظيمية والمالية والإعلامية أكثر أهمية على المدى الطويل من التركيز على الأفراد وحدهم، وبالنسبة له، فإن مقتل البغدادي كان ضربة مهمة، لكنه لم يكن نهاية المعركة.

كيف استطاع الجيش الأمريكي تتبع «البغدادي»؟

وتكشف روايته لمطاردة «البغدادي» حجم التحدي الذي واجهته أجهزة الاستخبارات الأمريكية آنذاك، فزعيم داعش كان يدرك أنه الهدف الأكثر ملاحقة في العالم، وكان يتعمد تقليل تحركاته والابتعاد عن وسائل الاتصال الإلكترونية التي يمكن تعقبها.

يقول: «كانت لدينا عدة مشاهدات ومعلومات حول وجود أبو بكر البغدادي، ونفذنا عدة ضربات بهدف القضاء عليه، تعقب قائد واحد يبذل كل ما في وسعه للاختباء أمر صعب للغاية، كما أنه يستهلك الكثير من الوقت والموارد، وهذا يفرض على القادة العسكريين اتخاذ قرارات صعبة بشأن كيفية توظيف الموارد المحدودة المتاحة لديهم».

يُظهر حديث «فوتيل» أن نجاح الولايات المتحدة في الوصول إلى «البغدادي» لم يكن نتيجة اختراق تقني واحد أو مصدر استخباراتي منفرد، بل نتيجة دمج طبقات متعددة من المعلومات والقدرات الاستخباراتية.

أكبر تحدي للقضاء على أبو بكر البغدادي

ويؤكد أن غياب الاتصالات الإلكترونية داخل قيادة داعش أجبر القوات الأمريكية على الاعتماد بصورة أكبر على مزيج من المصادر البشرية والمراقبة الميدانية وغيرها من أدوات جمع المعلومات: «كان لدينا نطاق قوي من مصادر الاستخبارات المتعددة ساعد في تعويض غياب البصمات الإلكترونية، وكنا نعتمد دائمًا على أكثر من مصدر استخباراتي لدعم عملياتنا».

لكن الدرس الأهم بالنسبة له يتعلق بما حدث بعد سقوط داعش، فعندما أعلن التحالف الدولي هزيمة «الخلافة» جغرافيًا في العراق وسوريا، لم يكن هناك اعتقاد داخل المؤسسة العسكرية بأن التنظيم انتهى فعليًا.

كان القادة العسكريون داخل «البنتاجون» يدركون أن آلاف المقاتلين ما زالوا أحياء، وأن كثيرين منهم اختفوا داخل المجتمعات المحلية أو انتقلوا إلى مناطق يصعب الوصول إليها، ولهذا تحولت المهمة الأمريكية من استعادة الأراضي إلى منع التنظيم من إعادة بناء نفسه.

لماذا ازداد التنسيق بين سنتكوم والجيش الإسرائيلي؟

وبالنسبة لـ«فوتيل»، لم يكن التقارب المتزايد بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي خلال سنوات قيادته للقيادة المركزية حدثًا منفصلًا عن صعود النفوذ الإيراني في سوريا.

فقد نظر المسؤولون العسكريون في واشنطن وتل أبيب إلى دعم طهران لنظام بشار الأسد، ومحاولاتها ترسيخ وجود عسكري ونقل قدرات قتالية متقدمة إلى غرب سوريا، باعتبارها تطورًا استراتيجيًا يغير البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل.

وفي هذا السياق، تحولت مواجهة النفوذ الإيراني إلى أحد أهم دوافع التعاون والتنسيق بين الجانبين، مع تزايد المخاوف من أن تصبح الأراضي السورية منصة متقدمة للقدرات الإيرانية على مقربة من الحدود الإسرائيلية.