المزاجية وسلطان الهوى.. قراءة في تدين الإنسان المعاصر

ماذا لو كان أخطر ما يصيب التدين ليس تركه، بل ممارسته على حسب المزاج؟ وماذا لو كان الإنسان لا يرفض الدين، لكنه لم يعد يحتمل منه إلا ما يوافق حالته الشعورية؟!

في المقال السابق، وقفنا عند سمة الفردانية التي حوّلت الأنا إلى مركز العالم، وأفضت إلى تديّن فردي وانتقائي منقطع عن معنى الجماعة، ونتوقف اليوم عند السمة الثانية مما أفرزته مرحلة «النهايات الخمس» في الإنسان المعاصر، وهي سمة تبدو في ظاهرها أقل خطورة، لكنها في الواقع أشد فتكاً ببنية التديّن من الداخل: إنها المزاجية.

ولا ينبغي أن نخلط بين المزاجية والتقلب البشري الطبيعي، فالإنسان بطبيعته يفرح ويحزن، ينشط ويفتر، يطمئن ويقلق، وهذه فطرة أودعها الله في التركيب الإنساني لتكون باباً لا سجناً، لكن الأزمة تبدأ حين تتحول هذه التقلبات إلى سلطة داخلية تحكم القرار، وتوجّه الالتزام، وتفرض سلطانها على التدين.

فالمزاجية ليست شعوراً، بل تسليم القيادة للشعور، وهو ما أسميه في بعض الحالات «سلطان المشاعر»، والفارق كبير بين إنسان يمر بفتور لكنه يحافظ على معنى الواجب، وإنسان يجعل الفتور مبرّراً دائماً للانسحاب، وبين من يتألم لكنه يظل وفياً للمعنى، ومن يُغيّر موقفه كلما تغيّر مزاجه؛ إنها تلك اللحظة الخطيرة التي يتحول فيها الهوى من خاطر عابر إلى سلطان داخلي يقود الإنسان، فيُصبح الشعور اللحظي حاكماً على المبدأ الثابت، وفي ذلك يبين لنا الوحي الشريف جوهر الأزمة في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجعلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، فالهوى حين يتسلط لا يجعل الإنسان يرفض الدين صراحة، بل يعيد تفسيره على قدر مزاجه، يقبل ما يوافق حالته، ويؤجل ما يخالف راحته، ويختار من الأحكام ما يريح، ويتركُ ما يحتاج مجاهدة وتدريباً للنفس.

فكيف تشكلت هذه المزاجية المفرطة؟!

الإجابة يعود جزء كبير منها إلى ما سميناه «النهايات الخمس». حين ضعفت اللغة الصادقة، فقد الإنسان قدرته على فهم مشاعره وتسميتها، فتحول الشعور الغامض إلى قرار مضطرب، وحين انقطع عن تراثه القيمي فقد ميراث الصبر والاحتمال والجلد، وأصبح أكثر استسلاماً للحالة اللحظية، لأنه لم يعد يستند إلى حكم ممتدة تعلمه أن المشاعر تمر والمعاني تبقى، وحين تحول الدين إلى طقس بلا معنى، فقد الطاقة الروحية التي تجعله يصبر على العبادة والمجاهدة، فصار تدينه مرتبطاً باللذة الشعورية المباشرة، لا بالرسوخ الطويل، وحين فقدت الأسرة دفء الاحتواء، نشأ الإنسان قليل القدرة على احتمال الإحباط، غير مدرّب على إدارة مشاعره داخل مجال آمن، وحين اهتز المعنى الجامع للانتماء، صار أكثر تمركزاً حول راحته النفسية الخاصة، يتعامل مع الواجبات بمنطق المزاج لا بمنطق الانتماء، ولذلك فالمزاجية ليست وليدة ضعف شخصي فحسب، بل هي نتيجة تآكل مراكز المعنى التي كانت تربي الإنسان على الثبات والاحتمال.

وأخطر ما تصنعه المزاجية أنها لا تُنهي التديّن، لكنها تجعله بلا عمود فقري، يظهر عند الانفعال ويغيب عند الحاجة إلى الثبات، فيتحول التدين إلى موجات متقطعة من الحماسة والفتور، يشتد الإنسان في موسم ثم ينقطع طويلاً، لا لتغير قناعته بل لتغير حالته الشعورية، ويقيس قيمة العبادة بمقدار ما يشعر به من تأثر فوري، فإذا لم يطمئن سريعاً ظن أنها لا تنفعه، ويغيب عنه أن الطريق إلى الله فيه لذة وفيه صبر، فيه أنس وفيه تهذيب، فيه فتح وفيه انتظار.

وفي هذا المناخ تنشأ ظاهرة لا تقل خطورة عن التدين الكمي الجاف، بل تقابله في التطرف: إنها ظاهرة «التدين بالتمني»، حين يزعم الإنسان أن الحب وحده يكفي، وأن حسن النية يغني عن العمل، وأن التعلق العاطفي بالله يمكن أن يكون بديلاً عن الالتزام وتعظيم الأحكام. فتسمع: «المهم أن القلب طيب»، «ربنا غفور رحيم» دون استحضار معنى التوبة والعمل، «الحب يكفي»، «العلاقة بالله شعور داخلي فقط»، والمشكلة ليست في هذه المعاني الصحيحة في ذاتها ولا في الحب في ذاته، فهو أصل عظيم من أصول الطريق إلى الله، المشكلة في تشويه معنى الحب، فالحب لله لا يساوي الاستهانة بأحكامه، والحب لسيدنا رسول الله ﷺ لا يعني تجاوز سنته، بل يعني صدق الاتباع له، وفي ذلك تأتي الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فمقياس الحب ليس الشعور، بل صدق الاتباع، وليس الوجد وحده بل السلوك.

وللتدين المصري في هذا السياق حضور خاص، فقد امتاز تاريخياً بكونه تديّناً ذا نسق اجتماعي مستقر تظهر فيه المداومة من خلال الصلوات الجامعة، ومواسم الخير، وصلة الرحم، ومجالس الذكر، وتلك العادات الرحيمة الممتدة التي كانت تجعل التدين جزءاً من إيقاع الحياة في البيت والشارع والحي، وكان وما زال حب آل البيت والصالحين مقروناً دائماً بالأدب وحسن السلوك، لا بالتعلق العاطفي المنفصل عن الفعل.

لكن تحت ضغط التحولات الحديثة، بدأ يظهر في بعض الخطابات نمط من التديّن المزاجي يشتد مع الترند ثم يختفي، يتأثر بمقطع قصير ثم يُنسى أثره، يطلب الراحة السريعة بدل التربية الطويلة، وكثيراً ما يهرب أصحاب هذا التوجّه من التديّن الكمي الجاف إلى تديّن بالتمني لا يقل اختلالاً عنه.

والعلاج لا يكون بقمع العاطفة الدينية الجميلة التي هي من أثمن ما في روح التديّن المصري، بل بإعادة الحب إلى موضعه الصحيح: محرّكاً للطاعة لا بديلاً عنها، ومصدراً للرحمة لا ذريعة للانفلات، وباباً للاتباع لا مخرجاً من التكليف، وهذا جوهر ما يمكن تسميته التديّن المحمدي المتوازن: الجمع بين الحب والاتباع، والرحمة والتكليف، والشريعة والحقيقة، والظاهر والباطن، والشعور والسلوك، فحضرة النبي ﷺ لم يربِّ أصحابه على تديّن كمي جاف ولا على تدين بالتمني، بل على تدين حي يحب الله حباً يظهر في الطاعة، ويعظم الأحكام دون قسوة، ويفتح باب الرجاء دون استهانة، وفي قوله ﷺ «أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» تأسيس عميق لفقه المداومة في مواجهة الاندفاع، ودعوة صريحة إلى بناء روحي هادئ يتجاوز تقلبات المزاج، فالاستقامة التي أمر الله بها نبيه ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ليست أمراً بقمع المشاعر، بل بضبط القيادة في يد المعنى والمبدأ، لا في يد الحالة الشعورية المتقلبة.

فالحقيقة الجوهرية التي يجب أن نعيها في النهاية، أن منهج التديّن الصحيح والمتوازن الذى هو يتبع منهج حضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس تديّناً ضد الشعور، ولا تديّناً أسير الشعور، بل هو تدين يهذّب الشعور بالاتباع، ويملأ الاتباع بالحب.

وإذا كانت المزاجية تجعل الإنسان أسير حالته الشعورية، فإن التشكّك يجعله أسير فقدان الثقة، ومن هنا ننتقل في المقال القادم إلى سمة أخرى لا تقل خطورة: حين لا يعود الإنسان قادراً على الاطمئنان إلى معنى.