متى نحمي أطفالنا من هذا الخطر؟!
عادت الفتاة الصغيرة ذات العشر سنوات من مدرستها الدولية باهظة المصاريف لتشكو لأمها أن زميلاً لها قد ارتكب فعلاً شائناً معها، وأن هناك زميلات أخريات تعرضن لنفس الموقف من هذا الصغير الذي لا يزال يخطو خطواته الأولى نحو عالمنا المعقد الذي نعيشه، ليست المشكلة هنا فيما تعرضت له الفتاة الصغيرة وزميلاتها فقط، ولكن المشكلة أن مثل هذه الأمور أصبحت تتطور وتتفاقم يوماً بعد يوم، وأصبحنا نشاهد ونسمع ونقرأ عن غرائب ما كانت تخطر ببال أحد، ليس في مصر فقط، لكنه أصبح خطراً داهماً يهدد العالم كله، ويهدد الطفولة البريئة التي أصبحت تكاد تنقرض في بعض المجتمعات.
ربما ندرك جميعاً أن تطور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها وقوة تأثيرها شكَّلت عاملاً مهماً ورئيسياً فيما وصل إليه الأمر، ، ليس على الأطفال فحسب، بل على كل الأعمار والمستويات والطبقات، ولم ينجُ من هذا رجال أو نساء، كبار أو صغار، وهو ما جعل الوضع أكثر تعقيداً وخطورة، وقد تنبهت العديد من الدول لهذا الخطر، خصوصاً على الأطفال، حتى إنها بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات جادة من أجل الحد من هذا الخطر.
كانت أستراليا صاحبة السبق، فكانت أول دولة تفرض حظراً في ديسمبر الماضي على استخدام الأطفال دون سن السادسة عشرة لمنصات التواصل الاجتماعي، وقد فرضت غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي في حالة مخالفة الشركات صاحبة تلك المنصات مثل (فيس بوك) و(إنستجرام) و(سناب شات) و(تيك توك) و(يوتيوب) وغيرها، مع استثناء خدمات (واتساب) و(يوتيوب كيدز) المخصص للأطفال. وقد تبعتها ماليزيا، وفرنسا التي أقر البرلمان فيها حظراً لمن هم دون الخامسة عشرة، ثم إندونيسيا.
كما تتجه بعض الدول الأخرى لاتباع نفس الخطوات، مثل الدنمارك واليونان وإسبانيا وسلوفينيا، وتستعد المملكة المتحدة للإعلان عن إجراءات جديدة تستهدف تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن المتوقع أن يعلن كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، خلال الأيام المقبلة، عن حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، ومن المتوقع أن يعلن أيضاً عن فرض غرامات تتعلق ببيع الهواتف للأطفال.
إذن ها هي دول العالم المتقدم تتجه إلى حماية أطفالها وتقف بحزم أمام جماعات حقوقية ومصالح اقتصادية لشركات كبرى، ومن المؤكد أنهم قد أدركوا الأخطار التي تحاصر أطفالهم جراء هذه الآلة الصغيرة التي أصبحت تلازم الكبار والصغار وهي (الموبايل)، وتفتح أمامهم عوالم مجهولة بعضها نافع ومعظمها ضار ومرعب، ينزع عنهم طفولتهم البريئة ويسحق عقولهم وقلوبهم الصغيرة ويحولهم إلى مسوخ.
أعتقد أنه قد آن الأوان أن نتجه إلى نفس الطريق، بل نحن أحوج وأوْلى، لأن ما نواجهه من سلبيات جراء هذا الأمر أكبر بكثير مما يواجهه الغرب، والتحديات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا تقارن بالغرب الذي يمكن أن يستوعب ويتدارك ويعي.