التخطيط في عالم سريع التغيير

في خضم المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تحيط بالعالم بأسره في مناطق النزاع، لم يعد التخطيط الاقتصادي التقليدي كافياً، إذ أصبحت دول العالم كله أكثر ترابطاً وتعقيداً لدرجة أن أي حدث عابر في طرف منه يمكن أن يعيد تشكيل سلاسل الإمداد والتجارة في أطرافه الأخرى خلال أيام قليلة.


وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من التقلبات الاقتصادية العالمية في السنوات الأخيرة كانت مدفوعة بعوامل جيوسياسية أو صدمات خارجية مباشرة أو غير مباشرة نتيجة هذه الصراعات والحروب، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: لم يعد المهم فقط للاقتصادات العالمية كيف تنمو، بل كيف تحافظ على استقرارها وتستمر في النمو وسط هذا القدر من اللايقين؟


أول ما كشفت عنه الأزمات المتلاحقة هو أن إدارة المخاطر لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد لأي دولة وضمان استمرارية التنمية، فغياب أنظمة إدارة مخاطر فعّالة يرفع تكلفة الأزمات بشكل ملحوظ، بينما تشير بعض الدراسات إلى أن الاقتصادات التي تعتمد على التخطيط بالسيناريوهات تقل لديها حدة الخسائر بنسبة قد تصل إلى 25% مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد على رد الفعل بعد وقوع الأزمة، وهو ما يوضح أن الاستعداد المسبق لم يعد خياراً تنظيمياً بل عنصر حماية أساسي.


ومن هذا المنطلق، برز درس أكثر عمقاً يتعلق ببنية الاقتصاد نفسه، إذ أثبت الواقع الذي يعيشه العالم أن الاعتماد على مصدر واحد أو سوق واحد في التجارة أو التمويل يخلق هشاشة هيكلية واضحة، حيث تشير البيانات إلى أن الاقتصادات العالمية التي تعتمد على شريك تجاري واحد بنسبة تتجاوز 40% تكون أكثر عرضة لتذبذبات حادة عند أي اضطراب في هذا الشريك.


لذلك لم يعد التنويع الاقتصادي في كافة دول العالم ترفاً تنموياً، بل أصبح شرطاً ضرورياً للاستقرار، سواء في الأسواق أو مصادر الطاقة أو سلاسل الإمداد.


وفي السياق نفسه، تطور مفهوم «التوطين» الذي تنتهجه أغلب دول العالم من فكرة تقليدية تقوم على الاكتفاء الذاتي الكامل إلى مفهوم أكثر دقة يُعرف بالتوطين الذكي، أي التركيز على الصناعات والمكونات الاستراتيجية التي تمثل نقاطاً حساسة في الاقتصادات الوطنية، مثل الغذاء والدواء والطاقة.


وتشير تجارب عدد من الدول إلى أن توطين ما بين 30% و50% من هذه القطاعات الحيوية يمكن أن يرفع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات بنسبة تتجاوز 60%، مقارنة بالاعتماد الكامل على الخارج.


ومع هذا التعقيد المتزايد، أصبحت سرعة اتخاذ القرار عنصر تمييز حاسماً بين الاقتصادات القادرة على التكيف وتلك العاجزة عنه، إذ لم تعد البيروقراطية التقليدية قادرة على التعامل مع عالم يتغير خلال أسابيع لا سنوات، بينما أثبتت التجارب أن الأنظمة التي تمتلك «حوكمة رشيقة» قادرة على تعديل سياساتها خلال فترة تتراوح بين 30 و90 يوماً تحقق معدلات تعافٍ أعلى بكثير من غيرها، لأن التأخير في بيئة غير مستقرة يعني تضخيم الخسائر بدل احتوائها، وهو ما يجعل المرونة المؤسسية في كافة الدول جزءاً لا يتجزأ من منظومة إدارة الاقتصاد.