عبدالعزيز مخيون.. المخلص للفن

كتب: هبة أمين

عبدالعزيز مخيون.. المخلص للفن

عبدالعزيز مخيون.. المخلص للفن

امتلك عبدالعزيز مخيون ثقافة غزيرة وعلماً نافعاً، وموهبة تفرض نفسها بقوة، مع قامة طويلة وجسداً ممشوقاً وملامح حادة محايدة، مكّنته من لعب جميع الأدوار، وتجسيد كافة الشخصيات أياً كانت هويتها، نعيش معه نضال «طه السماحى» فى مسلسل «ليالى الحلمية»، ونلعن مؤمرات الضابط الإسرائيلى أبوداود فى فيلم «بئر الخيانة»، ونتخوف من الانتهازى الذى يدعى الوطنية «عادل أبوليلة» فى مسلسل «زيزينيا».

بداية مشواره الفنى كانت قبل نهاية فترة الستينات من القرن الماضى، ومن حُسن طالعه عام 1973 يشارك سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة بطولة سهرة تليفزيونية تحمل اسم «أغنية الموت» للأديب توفيق الحكيم وإخراج سعيد مرزوق، ويتنقل بعدها ما بين أفلام «الكرنك، وإسكندرية ليه؟، وحدوتة مصرية، وللحب فرصة أخيرة»، ليخطف بعدها قلب المشاهد مع شخصية «وحيد» الهادئ الحالم فى مسلسل «الشهد والدموع».

لكن هذه الطاقة الإبداعية لم يستغلها كما يجب أن يكون، الأمر الذى جعله يندم على كل الأعمال التى رفضها بزعم أنها لا تناسبه وقتها، وتأكيده أن كثرة قراءاته وغزارة ثقافته واطلاعه جعلت منه صاحب أفكار مثالية بعيدة تماماً عن عالم الفن والاحتراف، ورغم نصيحة كل من حوله سواء سعاد حسنى والشاعر أمل دنقل، بضرورة أن يكون معه من يساعده فى اختيار أدواره والتعامل مع الآخرين حتى لا يكون ريشة فى الهواء، إلا أنه لم يستجب فى ظل جموح الشباب.

مع التقدم فى العمر، زاد بريقه الخاطف للأنظار تجاه أى دور يقدمه، حتى لو كان عدة مشاهد قليلة، فهو قادر على أن يجعل الجمهور يتذكره، منها ظهوره ضيف شرف فى فيلم «دم الغزال»، ومن شدة قسوته وجحوده تريد أن تقتحم الشاشة لتشارك بطلتى العمل يسرا ومنى زكى فى مشهد الضرب والانتقام من هذا الرجل المتبلد المشاعر.

نشأته فى الريف، جعلته عاشقاً للهدوء ودائم العيش فى منزله بـ«أبوحمص» محافظة البحيرة، الأشبه بـ«المخبأ الآمن» بعيداً عن زحام القاهرة، محباً للحياة والمزيكا مثل والده العاشق لسماع صوت موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، والعزف على آلات «الفلوت والهارمونيكا»، فتسلل إليه عشق الفن، وفى الوقت الذى كانت الأسرة تهيئه للعمل بالمحاماة أو الشرطة، قرر هو الدراسة بمعهد الفنون المسرحية، وبتعبيره «أنا فلت منهم وروحت للفن، دون واسطة وبمجهودى».

تارة يتمرد على أدوار بعينها؛ لأنها لا تناسب قناعاته، وأخرى يفكر طويلاً قبل الموافقة على تجسيد شخصية ما، وكثيراً ما يرتمى فى أحضان أعمال تخطف قلبه؛ إما لطبيعة الشخصية أو لإيمانه الشديد بالمؤلف وكاتب العمل، ويشارك فيما يقرب من 200 عمل، ويصبح لصناع الدراما «الجوكر» الورقة الرابحة، يلجأون إليه ويمنحونه الدور المطلوب، ويمنحهم هو الإبداع المتقن.

بعد سنوات من الفن والعمل حتى الرمق الأخير لم تمنعه أى أزمات صحية من الابتعاد عن الكاميرات، يهدأ الجسد الثائر ليرتاح من عاش شبابه وشيخوخته بين أحضان محبيه، ويعبر إلى العالم الآخر تاركاً وراءه إرثاً من الإبداع يبقى شاهداً على ممثل لم يعرف يوماً إلا طعم النجاح وإشادات جمهوره من المحيط إلى الخليج.