كأس العالم وحرب إيران
كثير من المحللين العسكريين وخبراء السياسة والاقتصاد، بدأوا يفسرون ضربات إيران الأخيرة، التي رأوا فيها شجاعة وجرأة لم يعهدوها فى بداية الحرب، خاصة مع الهدنة والهدوء الأمريكى النسبى، على أنها ثقة من إيران بأن أمريكا لن ترد بسبب كأس العالم، والحفاظ على صورتها أمام العالم.
فأمريكا مجتمع الميديا فيه هى الصنم الذى تقدم له القرابين، لكن هناك قراءتين للموقف من فريقين مختلفين، الفريق الأول يقول إن الإدارة الأمريكية فى تعاملها مع كأس العالم، تضع الأمن أولاً، فهناك قرارات أثارت انتقادات دولية، أبرزها منع الحكم الصومالى من دخول الولايات المتحدة رغم امتلاكه تأشيرة سارية واعتماده من FIFA، بسبب ما وصفته السلطات الأمريكية بـ«مخاوف تدقيقية وأمنية.
كما دافع ترامب ومسئولوه علناً عن سياسة التشدد فى منح التأشيرات خلال البطولة، مؤكدين أن الأولوية هى دخول «الأشخاص المناسبين» فقط، حتى لو أثارت بعض القرارات جدلاً إعلامياً ودبلوماسياً، وهناك فريق آخر يقول: هناك فرق بين إجراء أمنى فردى وحرب إقليمية واسعة، فالإدارة الأمريكية قد تقبل الانتقادات الناتجة عن منع شخص أو مجموعة أشخاص من الدخول، لكنها قد تحسب بشكل مختلف تكلفة حرب كبيرة تؤثر على حركة الطيران الدولية، وأسعار النفط، وتدفق الجماهير، ومستوى التأهب الأمنى فى المدن المستضيفة، وتأثيرها على الجماهير وإحساسهم أنهم فى ثكنة عسكرية، مما يؤثر على الأجواء العامة للبطولة.
لكن لنأخذ الصورة ونقرأها من الناحية النظرية، فلدى ترامب أسباب تدفعه إلى تجنب أى تصعيد عسكرى واسع خلال فترة البطولة، فالمونديال هو أكبر حدث رياضى على الأرض، ويتوقع أن يجذب ملايين الزوار ومليارات المشاهدات التليفزيونية، بينما خصص البيت الأبيض بالفعل لجنة خاصة للتنسيق والإعداد للبطولة، باعتبارها حدثاً وطنياً واستراتيجياً ضخماً.
كما أن المدن الأمريكية المضيفة تعوّل على عائدات اقتصادية وسياحية بمليارات الدولارات، ما يجعل الاستقرار الأمنى والسياسى عاملاً مهماً فى نجاح الحدث، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيداً، فالحرب والتوترات بين واشنطن وطهران أصبحت بالفعل جزءاً من المشهد المحيط بالمونديال نفسه، خاصة بعد الضربات الأخيرة من إيران لقواعد وبارجات وإعلان تحدٍ بإغلاق مضيق هرمز.
وهناك تصريحات واضحة لا مواربة فيها من أندرو جوليانى، المسئول البارز فى البيت الأبيض عن ملف كأس العالم، والذى صرح مؤخراً بأن التحضيرات للبطولة لم تؤثر على قرارات ترامب المتعلقة بإيران أو على مواقفه من الحرب ووقف إطلاق النار، وهو تصريح يوحى بأن الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية ما زالت تتقدم على الاعتبارات الرياضية، ومع ذلك، لا يمكن استبعاد تأثير غير مباشر.
فكلما اقترب موعد المباريات ازدادت حساسية الإدارة الأمريكية تجاه أى أحداث قد تهدد أمن البطولة أو تقلل من نجاحها الإعلامى والاقتصادى، لذلك أتوقع شخصياً أن ترامب سيتجنب حرباً طويلة أو فوضى إقليمية واسعة تؤدى إلى اضطراب حركة السفر أو رفع المخاطر الأمنية أو تحويل المونديال إلى حدث سياسى بدلاً من أن يكون احتفالاً رياضياً عالمياً.
كأس العالم قد لا يكون قادراً على منع ترامب من اتخاذ قرار عسكرى إذا رأى أن المصالح الأمريكية تتطلب ذلك، لكنه قد يؤثر فى توقيت القرارات وحدودها وشكلها. فالرئيس الذى يحب الأضواء ويدرك قيمة الصورة العامة لن يرغب فى أن يتحول أكبر حدث رياضى تستضيفه الولايات المتحدة منذ عقود إلى بطولة تُقام تحت ظلال حرب مفتوحة، كرة القدم لن ترسم السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها قد تضيف عاملاً آخر إلى الحسابات المعقدة فى غرفة العمليات.