لماذا يقرأ السياسيون؟
هل يقرأ السياسيون؟ ماذا يقرأون؟ بدون القراءة، كيف يغذي السياسي أفكاره وينمي خياله؟
القراءة تصنع مصائر الأمم، والسياسة ليست مجرد إدارة السلطة ولا المناورة بين المصالح المتعارضة فحسب، بل في جوهرها هي معرفة بالإنسان والتاريخ والمجتمع. لهذا يختلف القائد الذي يصادق الكتب عن ذلك الذي يكتفي بصخب المنابر وضجيج الأحداث.
مهما بدت السياسة مرتبطة باتخاذ القرارات الآنية، إلا أنها ابنة الأفكار البعيدة. فالقرارات التي تغير مصائر الشعوب لا تولد في قاعات الاجتماعات وحدها، بل تنبت جذورها في عقول تشكلت بالقراءة والتأمل. والسياسي الذي لا يقرأ يشبه بحاراً يقود في بحر مجهول من دون خرائط؛ ربما ينجو مرة، لكنه يظل أسير اللحظة، محدود الرؤية، عاجزاً عن استشراف ما وراء الأفق.
القراءة تمنح السياسي ما لا تمنحه الخبرة اليومية وحدها؛ توسع أفقه التاريخي، وتجعله يرى تشابه الوقائع واختلاف الأزمنة. عندما يقرأ في التاريخ يدرك أن الأزمات ليست جديدة، وأن الأمم مرت بما هو أشد مما يواجهه عصره. وعندما يقرأ الفلسفة يتعلم الشك في المسلمات، وحين يقرأ الأدب يقترب من الإنسان العادي؛ من آلامه وأحلامه وهواجسه. القراءة ليست ترفاً عند السياسي، بل أداة من أدوات الحكم.
في سير القادة الذين تركوا بصمة عميقة في التاريخ، كان كثير منهم قراءً نهمين. فقد عُرف ونستون تشرشل بشغفه بالتاريخ والسير العسكرية، ولم تكن خطبه وليدة البلاغة الفطرية وحدها، بل كانت ثمرة سنوات طويلة من القراءة والكتابة والتأمل في تجارب الأمم والإمبراطوريات. وكان أبراهام لينكولن مثالاً للقائد الذي صنع نفسه بالقراءة؛ يقتني الكتب من كل مكان ويقرأها على ضوء النار، وبهذا تشكلت رؤيته الأخلاقية التي جعلته أبرز المدافعين عن وحدة بلاده وإلغاء العبودية. كذلك كان ديجول وناصر ومانديلا وغيرهم من كبار القادة.
الفرق بين سياسي يقرأ وآخر لا يقرأ، لا يظهر فقط في كمية المعلومات، بل في الرؤية. فالقارئ يرى المشهد من زوايا متعددة، ويستحضر دروس التاريخ، ويوازن بين البدائل. أما الذي لا يقرأ فيميل إلى اختزال المشكلات في حلول سطحية وشعارات جذابة. وأهم ما تمنحه القراءة للسياسي هو التواضع الفكري؛ فكل كتاب جيد يذكر قارئه أن العالم أوسع من تجربته الشخصية. لهذا فإن القادة القارئين أكثر قدرة على الحوار والإصغاء، واستعداداً لمراجعة مواقفهم عندما تتغير الوقائع.
التاريخ يؤكد أن القادة الذين غيروا مجرى الأحداث كانوا أبناء معرفة واسعة وقراءات عميقة. فالكتب لا تمنح السلطة، لكنها تمنح البصيرة. وبين السياسي الذي يكتفي بإدارة يومه، والسياسي الذي يقرأ، مسافة تشبه المسافة بين من ينظر إلى الطريق تحت قدميه ومن يرى الطريق الممتد إلى آخر الأفق.