محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. طارق المرجاوي ضابط المباحث الذي استشهد في قلب الميدان
محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. طارق المرجاوي ضابط المباحث الذي استشهد في قلب الميدان
طارق المرجاوي.. واحد من رجال المباحث الذين قضوا عمرهم بين الملفات والتحريات والمأموريات الصعبة.. ضابط عرف الشارع جيدًا.. وعرفه الشارع أيضًا.. لم يكن من الذين يراقبون المشهد من بعيد.. بل كان دائمًا في مقدمة رجاله حيث يوجد الخطر.
وجاءت سنوات خدمته الأخيرة متزامنة مع واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها البلاد عقب ثورة 30 يونيو.. حين خاضت الدولة معركة مفتوحة ضد الإرهاب. ودفعت خلالها الشرطة والقوات المسلحة أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن ومؤسساته واستقرار شعبه.
على مدار 29 عامًا داخل جهاز الشرطة.. تنقل الشهيد المرجاوي بين مواقع عديدة.. بدأها ضابطًا بقطاع الأمن المركزي عقب تخرجه في كلية الشرطة عام 1985، ثم واصل مشواره في العمل الجنائي والميداني.. حتى أصبح أحد أبرز قيادات مباحث الجيزة وأكثرهم خبرة.
العميد المرجاوي.. كان يؤمن بأن نجاح الضابط لا يقاس بعدد الأوامر التي يصدرها.. وإنما بوجوده وسط رجاله وقت الشدة، لذلك لم يكن غريبًا أن يوجد بنفسه في مواقع التأمين والانتشار الأمني.. يتابع التفاصيل الدقيقة ويتأكد من سير العمل على الأرض.
وفي صباح الثاني من أبريل عام 2014، كان العميد طارق المرجاوي يؤدي مهام عمله أمام جامعة القاهرة.. يتابع الحالة الأمنية ويراقب حركة المارة والقوات المكلفة بالتأمين.. في وقت كانت فيه العناصر الإرهابية تسعى لاستهداف رجال الشرطة عبر عمليات غادرة.
وقف الشهيد في موقعه كعادته.. منشغلًا بأداء واجبه.. قبل أن تدوي عبوة ناسفة زرعها الإرهاب في محيط الجامعة.. أعقبها انفجار آخر استهدف القوات الموجودة بالمكان.
وفي لحظات تحولت ساحة الجامعة إلى مشهد من الدخان والفوضى.. بينما سارع الضباط والأفراد إلى موقع الانفجار، ليجدوا العميد طارق المرجاوي مصابًا إصابة قاتلة بعدما طالته شظايا العبوتين الناسفتين أثناء تأدية واجبه.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي وثقت الحادث الشهيد قبل لحظات من الاستهداف.. واقفًا في موقعه يتابع الحالة الأمنية بكل تركيز.. قبل أن يغيبه الانفجار عن المشهد الذي ظل حاضرًا في ذاكرة زملائه وأسرته حتى اليوم.
لم يكن المرجاوي مجرد قيادي أمني بارز.. بل كان صاحب سيرة مهنية طويلة في مواجهة الجريمة والخارجين على القانون.. حيث عمل في عدد من المواقع المهمة بمباحث الجيزة، وتولى مسؤوليات عديدة عرف خلالها بالكفاءة والحسم والقدرة على كشف القضايا المعقدة.
وبين زملائه كان يتمتع بمحبة واحترام كبيرين.. لما عرف عنه من التواضع والالتزام ومساندة الضباط الأصغر سنًا.. أما داخل منزله فكان أبًا حريصًا على أبنائه.. يتابع تفاصيل حياتهم ودراستهم رغم ضغوط العمل التي لم تتوقف يومًا.
رحل العميد طارق المرجاوي تاركًا خلفه تاريخًا طويلًا من العمل والعطاء.. لكن اسمه ظل حاضرًا بين رجال الشرطة الذين عرفوا معنى التضحية، وبين أسرته التي ما زالت تروي للأجيال حكاية أبٍ اختار الواجب حتى اللحظة الأخيرة.
لم يكن يعلم وهو يغادر منزله في ذلك الصباح أنه لن يعود مرة أخرى.. لكنه فعل ما اعتاد أن يفعله طوال عمره.. ذهب إلى عمله.
ورحل طارق المرجاوي.. وبقيت حكايته واحدة من حكايات رجال دفعوا حياتهم ثمنًا لحماية الوطن، لتظل ذكراهم شاهدًا على تضحيات أبطال وقفوا في الصفوف الأولى لحماية الوطن.