محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. ماجد عبد الرازق.. ضابط المباحث الذي سبق الرصاص
محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. ماجد عبد الرازق.. ضابط المباحث الذي سبق الرصاص
ماجد عبد الرازق.. ضابط مباحث شاب اختار واحدة من أصعب المهام داخل جهاز الشرطة.. مهمة تجعلك في مواجهة مباشرة مع الخارجين على القانون والإرهابيين في كل لحظة.. فكانت حياته كلها مطاردة للخطر من أجل حماية المواطنين والحفاظ على أمن الوطن.
جاءت رحلته في سنوات صعبة عاشتها مصر عقب ثورة 30 يونيو.. حين خاضت الدولة معركة شرسة ضد الإرهاب.. ووقف رجال الجيش والشرطة في الصفوف الأولى دفاعًا عن الوطن ومؤسساته واستقرار شعبه.
كان يؤمن أن رجل المباحث الحقيقي لا ينتظر الخطر حتى يصل إليه.. بل يذهب إليه بنفسه.. لذلك لم يتردد يومًا في التقدم نحو المجهول بحثًا عن الحقيقة وحماية الناس.
في الساعات الأولى من صباح السابع من أبريل عام 2019.. كان الشهيد يؤدي عمله معاونًا بمباحث قسم شرطة النزهة.. يتابع الحالة الأمنية في الشوارع كعادته ضمن قوة أمنية مكلفة بتمشيط المنطقة.
وخلال مرور القوة بشارع طه حسين.. اشتبهت في سيارة هيونداي ماتريكس سوداء اللون يستقلها أربعة أشخاص.
اقترب ماجد عبد الرازق من السيارة لفحصها والتأكد من هوية مستقليها.. لكن ما بدا إجراءً أمنيًا اعتياديًا تحول في لحظات إلى مواجهة دامية.
ترجل أحد العناصر الإرهابية من السيارة بشكل مفاجئ.. وأطلق وابلاً من الأعيرة النارية من بندقية آلية تجاه القوة الأمنية.. قبل أن يفر الجناة من المكان.
في ثوانٍ معدودة تحول المشهد إلى مأساة.. ارتقى خلالها ضابط المباحث شهيدًا وهو يؤدي واجبه.. بعدما واجه الخطر بنفسه في سبيل حماية المواطنين والحفاظ على الأمن.
خلف البطل أسرة صغيرة كانت تنتظر عودته إلى المنزل.. وطفلة رضيعة لم يمض على ميلادها سوى أيام قليلة.. لتكبر فيما بعد على حكاية أبٍ أصبح اسمه عنوانًا للشجاعة والتضحية.
وكانت المأساة أكثر قسوة لأن الشهيد كان زوج ابنة الشهيد العقيد وائل طاحون.. الذي اغتالته العناصر الإرهابية عام 2015 أثناء توجهه إلى مقر عمله.. لتقدم الأسرة اثنين من أبنائها شهداء في مواجهة الإرهاب.
لم تنته القصة عند لحظة الاستشهاد.. فسرعان ما بدأت أجهزة الأمن في تتبع خيوط الجريمة وكشف المتورطين فيها.
وكشفت التحريات تورط عناصر تابعة لحركة «حسم» الإرهابية في تنفيذ العملية.. كما أثبتت ارتباطهم بعدد من المخططات العدائية التي استهدفت رجال الدولة ومؤسساتها.
واستمرت عمليات الرصد والتتبع لسنوات.. حتى تمكنت أجهزة الأمن من تحديد مكان اختباء اثنين من العناصر الإرهابية المتورطة في القضية.
وفي فجر العشرين من يوليو عام 2025.. تحركت قوات قطاع الأمن الوطني بالتنسيق مع الأمن العام والعمليات الخاصة نحو وكر إرهابي بمنطقة بولاق الدكرور.
وبمجرد استشعار العناصر الإرهابية باقتراب القوات.. بادرت بإطلاق النيران بشكل عشوائي.. لتندلع مواجهة مسلحة انتهت بالقضاء عليهما.
وأكدت التحريات أن العنصرين كانا من المشاركين في اغتيال الشهيد ماجد عبد الرازق.. كما تورطا في عدد من الجرائم الإرهابية الأخرى التي استهدفت الوطن ورجاله.
وبذلك أُغلقت واحدة من القضايا التي ظلت عالقة لسنوات.. بعدما نجحت أجهزة الأمن في الوصول إلى الجناة وتوجيه الضربة الأخيرة لهم.
وبالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو.. تبقى حكايات الشهداء شاهدة على حجم التضحيات التي قدمها رجال الشرطة في مواجهة الإرهاب.. من أجل أن تبقى الدولة قوية وآمنة ومستقرة.
لم يكن يبحث عن بطولة أو شهرة.. ولم يخرج من منزله في ذلك الصباح وهو يعلم أنه لن يعود.. لكنه فعل ما اعتاد أن يفعله دائمًا.. ذهب إلى واجبه.
رحل ماجد عبد الرازق.. وبقيت صورته وهو يتقدم لفحص السيارة المشبوهة شاهدًا على شجاعة رجل اختار أن يواجه الخطر بنفسه.. وبقيت حكايته تروي للأجيال أن هناك رجالًا دفعوا حياتهم ثمنًا لحماية الوطن.