من أشعل الحرب يطفئها

الحدث الأهم دولياً هو إعلان انتهاء حرب الـ105 أيام بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.

أعلنت واشنطن وطهران أمس الأول التوصل إلى اتفاق فيما بينهما، تنتهي بموجبه الحرب، وأمر الرئيس الأمريكي ترامب بفك الحصار فوراً عن الموانئ الإيرانية والسماح لحاملات البترول التابعة لها بالمرور من مضيق هرمز، وسيتم فتح المضيق أمام جميع السفن بالمرور دون رسوم، وتقام مراسم التوقيع الرسمية على مذكرة التفاهم الخاصة بالاتفاق بعد 72 ساعة في جنيف.

غطى هذا الحدث على مباريات كأس العالم لكرة القدم الأكثر شعبية، التي انطلقت فعالياتها منذ ٤ أيام، كل رصاصة كانت تطلق في الحرب من فوهة مدفع، وكل طائرة عسكرية كانت تنفذ مهمة، وكل قطعة بحرية حربية اشتركت في الحرب دفع ثمنها ومصاريف تشغيلها شعوب العالم، باستثناء الشعوب التي اشتركت في الحرب! دول الخليج والعراق والأردن طالتها الخسارة الأكبر نتيجة الهجمات البربرية التي شنتها إيران عليها، بحجة ضرب القواعد الأمريكية، ونتيجة توقف تصدير النفط الذي تنتجه بعد إغلاق مضيق هرمز.

وتلتها في الخسارة دول الشرق الأوسط، التي كانت على صفيح ساخن، وتكاليف حالة التأهب تحسباً من أن تطالها شظايا الحرب، وخسارتها من عزوف السائحين عن السفر للمنطقة وهروب المستثمرين خوفاً من اشتعال الشرق الأوسط بأكمله، وإصابة ميزانيتها بزيادة العجز نتيجة ارتفاع التكاليف وانخفاض الموارد. اشتركت شعوب العالم في تحمل تكلفة زيادة أسعار الطاقة التي ارتفعت إلى ما يقرب من الضعف، بسبب غلق هرمز الذي تعبر منه 20% من الطاقة للعالم، وكذلك المواد الغذائية بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة التي يدخل في تصنيعها «الكبريت»، حيث يتم تصدير 50% منه للعالم من دول الخليج، كل يوم كانت مؤشرات أسعار البترول ترتفع، ومع كل تهديد أمريكي ترتفع أكثر، وهنا يكمن اللغز، فالدول المتحاربة حققت مكاسب كبيرة بينما الدول والشعوب غير المشاركة تكبدت خسائر فادحة ودفعت ثمن هذه المكاسب.

والمسألة تتلخص في أن شعوب العالم -غير المشاركة في الحرب- دفعت تكلفة زيادة أسعار الطاقة، ومني صغار مالكي الذهب بخسائر فادحة نتيجة انهيار أسعار الذهب قبل وقت إعلان الاتفاق بساعات، حيث هرولت بعض الدول وصغار مالكي الذهب إلى البيع، في حين اشترت أمريكا وكبار المستثمرين كل الذهب المعروض، وكما ذكرت كانت مؤشرات البورصة تتحرك صعوداً وهبوطاً مع كل تصريح لترامب بالتهديد بضربة قوية لإيران أو الاقتراب من التوصل لاتفاق، وكانت الشركات الكبيرة وحاملو الأسهم الرئيسيون يحصدون مليارات الدولارات، قبل وبعد كل تصريح، لأن ترامب كان على اتفاق معهم، حتى تجني الشركات الأمريكية اليهودية أكبر قدر من الأرباح نتيجة هذا التذبذب، ومعرفتهم المسبقة بالتصريحات قبل إعلانها، ويقررون البيع والشراء وفقاً لهذه التصريحات المعلومة لهم مسبقاً.. ولعل حصول إيلون ماسك على لقب «ترليونير» منذ أيام أكبر دليل على ذلك بعد ارتفاع القيمة السوقية لأسهم شركاته خلال الحرب!

فضلاً عن المكاسب الهائلة التي جنتها شركات السلاح الأمريكية التي لم تكن تستطيع اللحاق بمتطلبات الحرب من أسلحة وذخيرة. أما إيران فخرجت محققة مكسب استعادة أموالها المجمدة منذ عام 1979، وتخفيف العقوبات الاقتصادية عليها المفروضة من نفس تاريخ تجميد أموالها، ويظل الفائز الأكبر إسرائيل التي حصلت على أضخم دعم عسكري واقتصادي من الولايات المتحدة، واستولت على مساحات شاسعة من لبنان وسوريا في غفلة من العالم، وضمنت عدم استطاعة إيران إنتاج قنبلة نووية تهددها لمدة 20 سنة قادمة على الأقل.

وكأن ترامب كان يغني بهذه الحرب قصيدة نزار قباني «متى ستعرف كم أهواك يا رجلاً؟»، ولكنه كان يغنيها هكذا: متى ستعرفين كم أهواك يا إسرائيل أبيع من أجلها الدنيا وما فيها أُشعل الحرب وأطفئها.. وأُغلق المضيق وأفتحه.. وأبدأ المأساة وأنهيها.

مع الاعتذار لنزار قباني.