النظافة من اليابان

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

أكتب لكم بعد انتهاء مباراة هولندا واليابان في كأس العالم، المباراة كانت من أمتع مباريات هذه الكأس، وكان المنتخب اليابانى، ضعيف البنية قصير القامة، قوي الإرادة، الملتزم، والذكي، نداً قوياً وشرساً لمنتخب الطواحين الهولندية، وكان نموذجاً حقيقياً لعقيدة الساموراى المحارب العنيد، لكن متعتي وانبهاري وإعجابي لم تكن بمجريات «الماتش» فقط، ولا بالأهداف أو بالأسيست أو بالإيقاع السريع، فكل تلك الأمور تتكرر في مباريات أخرى.

لكن ما أبهرني حقاً هو تلك الأكياس الزرقاء التى جمع فيها الجمهور اليابانى القمامة والفضلات من المدرجات بعد المباراة، تصرف حضارى عظيم، يثبت أن هذا الشعب بالفعل كوكب آخر مستقل، والعجيب أن ما يفعله هذا الجمهور، الذى كان يجلس في وسط مشجعى هولندا بكل هدوء وأدب، مندمجاً معهم، بل يداعبهم بلطف، العجيب أن سلوكهم ليس رد فعل لنتيجة أو مكسب أو لعب جيد، إطلاقاً، إنه تصرف وسلوك موجود في الجينات.

والدليل أنهم يفعلونها منذ أول اشتراك متواضع لهم في 1998، ثم فعلوها في كأس العالم 2018 في روسيا، بعد الخسارة الدرامية أمام بلجيكا والخروج من البطولة، عندما قامت الجماهير بتنظيف المدرجات، كما نظف اللاعبون غرفة الملابس وتركوا رسالة شكر باللغة الروسية!.

وفي كأس العالم 2022 في قطر، نظف المشجعون اليابانيون المدرجات حتى بعد مباريات لم يكن المنتخب اليابانى طرفاً فيها، مثل مباراة الافتتاح بين قطر والإكوادور، وهو ما يدل على أن الأمر ليس احتفالاً بالفوز، بل عادة ثقافية متأصلة ومتجذرة في المواطن اليابانى، النظافة عند اليابانى ليست مجرد نتيجة للقوانين الحديثة أو التقدم الاقتصادى.

فمنذ قرون طويلة ارتبطت النظافة في العقل اليابانى بالدين والأخلاق والانضباط الاجتماعى، اليابانيون في ديانة الشنتو يعتقدون أن الأوساخ والنجاسة ليست مجرد مشكلة صحية، بل قد تكون عائقاً روحياً، لذلك انتشرت طقوس الاغتسال والتطهر بالماء قبل دخول المعابد، وحتى اليوم تجد أحواض الماء عند مداخل المعابد اليابانية ليغسل الزوار أيديهم وأفواههم قبل الدخول.

خلال فترة إيدو (1603 - 1868)، وهى حقبة ذهبية امتدت لنحو 250 عاماً اتسمت بالسلام، الحكم الإقطاعى لعائلة توكوجاوا، والعزلة التامة عن العالم الخارجى، وشهدت استقراراً طويلاً، أصبحت مدن مثل إيدو (طوكيو الحالية) من أنظف مدن العالم مقارنة بكثير من المدن الأوروبية آنذاك، ففي الوقت الذى كانت شوارع بعض المدن الأوروبية مليئة بمخلَّفات البشر والحيوانات، كان اليابانيون يجمعون الفضلات البشرية ويعيدون استخدامها كأسمدة زراعية، مما خلق نظاماً مبكراً لإدارة النفايات، ثم جاء التعليم الحديث في أواخر القرن التاسع عشر ليضيف بُعداً جديداً، فبدلاً من الاعتماد على عمال النظافة فقط، بدأت المدارس اليابانية تعليم الأطفال تنظيف فصولهم وممرات مدارسهم بأنفسهم، وما زالت هذه العادة مستمرة حتى اليوم، إذ يقضى التلاميذ جزءاً من يومهم الدراسى في تنظيف المدرسة.

الفكرة ليست توفير المال، بل غرس الشعور بالمسئولية واحترام المكان العام، المثير للاهتمام أن اليابان ليست الدولة التى تفرض أكبر عدد من الغرامات على القمامة، بل تعتمد بدرجة كبيرة على ما يسميه علماء الاجتماع الرقابة الذاتية، فالفرد يشعر بالمسئولية تجاه المجتمع، ويعتبر ترك القمامة أو إزعاج الآخرين سلوكاً معيباً، ندعو بأن تصل مجتمعاتنا العدوى اليابانية.