النصر لمن في حرب إيران؟
في العصر الأموي كان الخلاف بين الشاعرين جرير والفرزدق على أشده، وحمى وطيس التنابذ بينهما لدرجة أن الفرزدق هدد مربعاً، مساعد جرير بالقتل. سخر جرير من تهديد الفرزدق لمساعده، وقال: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً.. أبشر بطول سلامة يا مربع. في وقتنا هذا زعمت أمريكا أنها ستدمر إيران، فلم تستطع تدمير إيران، بل اضطرت بعد أكثر من مائة يوم من الحرب أن تعقد اتفاقاً مع إيران ببنود متوازنة ولم تحصل أمريكا على أفضلية. في العموم الاتفاق يعد لصالح إيران التي ستبدأ عصراً جديداً بعد أن يتم رفع الحصار الاقتصادي عنها واستعادة مليارات الدولارات المحتجزة في الغرب. بينما لم تحسم مسألة السلاح النووي وبقيت لجولات أخرى أي أن إيران لم ترضخ للضغوط الأمريكية للتنازل عن صنع السلاح النووي، ولو إلى حين.
كما كتبت في مقالي أمس – قبل إعلان الاتفاق – عن مهارات المفاوض الإيراني والصبر الذي يتحلى به فريق إيران واللعب على عامل الزمن واستخدام مهارات البازار أو السوق، أدى ذلك إلى اتفاق لا ينقص من حقوق إيران وإنما يفتح لها الباب لاعباً أساسياً في النظام العالمي.
وصف الرئيس الأمريكي ترامب الاتفاق بأنه كامل، بينما تناولته طهران بحذر أكبر ووصفته بأنه مذكرة تفاهم. ينص الاتفاق على وقف فوري لإطلاق النار على جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مقابل تجميد طهران لبرنامجها النووي مؤقتاً وتجميد عملياتها العسكرية عبر وكلائها في المنطقة. لكن النص يترك الملفات الشائكة، من تخصيب اليورانيوم إلى رفع العقوبات، لجولات تفاوضية لاحقة تمتد على ستين يوماً، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى خطوة أولى إلى غرفة المفاوضات وليس سلاماً شاملاً.
يرى الجانب الإيراني أن نتيجة الأحداث تعد نصراً لإيران وأن الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها وعلى رأسها إسقاط النظام. بل خرجت إيران من المعركة وقد أعادت تشكيل هويتها الداخلية والخارجية. أثبتت الآلة العسكرية الإيرانية التي أعادت هيكلتها قيادات شابة من الجيل الثاني للثورة، قدرتها على الصمود والتكيف عبر تكتيكات حرب غير تقليدية، كإغراق أنظمة الدفاع الجوي بالصواريخ والمسيرات الرخيصة، مما أربك حسابات البنتاجون. كما استطاعت طهران توظيف الجغرافيا كسلاح استراتيجي، حولت مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى ورقة ضغط فائقة التأثير، يمكنها إغلاقه أو التهديد به في أي لحظة، مما يمنحها قدرة على التأثير على الاقتصاد العالمي.
لكن الأهم من الناحية السياسية أن إيران فرضت على واشنطن الاعتراف بها كشريك في المعادلة الإقليمية، وليس دولة مارقة. الاتفاق الحالي، وإن كان مؤقتاً، يلغي فعلياً مسألة تغيير النظام ويؤسس لمرحلة جديدة تتفاوض فيها القوة العظمى مع من أرادت إسقاطه وتدميره. بل إن طهران ذهبت إلى أبعد من ذلك، تمكنت من إجبار أمريكا على ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على لبنان، وهو تحول جذري في ميزان القوى يعكس كيف أن نفوذ طهران إقليمياً صار يمتد من طهران إلى بيروت. بهذا المعنى، خرجت إيران منتصرة، ليس لأنها احتلت أرضاً، بل لأنها نجت من الإبادة ورسخت مبدأ أن أي هجوم مستقبلي سيكون له ثمن باهظ على أمريكا وإسرائيل والغرب والاقتصاد العالمي وأمن الخليج.
يكشف تحليل الاتفاق عن تراجع استراتيجي كبير لأمريكا. فبعد أن أطلقت الإدارة الأميركية حملة الغضب العظيم بهدف تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية وإشعال فتنة داخلية، خرجت من الحرب مطالبة بوقف إطلاق النار وفتح المضيق فقط، وتنازلت عن شروطها السابقة. هذا التحول من لغة الاستسلام غير المشروط إلى لغة مذكرة التفاهم يعكس إدراكاً أميركيا بأن الخيار العسكري وصل إلى طريق مسدود. التكلفة الاقتصادية للحصار وإغلاق المضيق بدأت تؤثر سلباً على أسعار البترول وعلى الانتخابات الأميركية، بينما أثبتت قدرة إيران على استنزاف حاملات الطائرات والدفاعات الجوية في جولات طويلة من الحرب غير المتكافئة.
الاتفاق يسمح لترامب بالادعاء بأنه أنهى حرباً دموية وأعاد فتح الممرات المائية، وهي مكاسب دعائية لا قيمة لها. لكن الثمن كان الاعتراف الضمني بأن الردع الأمريكي لم يعد مطلقاً، وأن طهران أصبحت تمتلك حق الفيتو على استقرار الخليج. في حسابات الربح والخسارة، تبدو واشنطن خاسرة أكثر من طهران، لأنها خسرت هيبتها وثقة حلفائها في آن واحد.
ربما تكون دول الخليج العربي، وليست إسرائيل الخاسر الأكبر في هذه الحرب، رغم أنها لم تشارك فيها بشكل مباشر. أسست هذه الدول طوال عقود سابقة أمنها على الحماية الأمريكية. لكن الحرب كشفت عن حقيقة قاسية، عندما اشتدت الأزمة توقف تصدير البترول، وأغلقت الممرات، وتعرضت منشآت الطاقة والبنية التحتية للتدمير، بينما كانت القوات الأمريكية مشغولة بحماية إسرائيل وليس الدفاع عن حلفائها العرب.
أيقن قادة الخليج أن أمريكا لم تعد قادرة أو راغبة في خوض حرب شاملة لحمايتهم، وأن الاحتواء العسكري لإيران لم يعد ممكناً. لذلك بدأت عواصم الخليج تتبنى بسرعة نهجاً جديداً من خلال اتصالات مكثفة بين مسئولي المخابرات الخليجية والإيرانية لوضع قواعد جديدة للاشتباك، ليس على أساس التفوق الأمريكي، بل على أساس أن إيران قوة قائمة يجب التعايش معها. وهذه نكسة لاستراتيجية السلام من أجل القوة التي كانت تروج لها إدارة ترامب، والتي كانت تهدف إلى عزل إيران عبر تحالف عربي إسرائيلي. الآن بدلاً من عزل طهران، نراها تعود معززة إلى الإقليم.
أما إسرائيل التي كانت المحرك الرئيسي للحرب، الساعية لتدمير القدرات النووية الإيرانية وإنهاء تهديد حزب الله. خرجت بنتائج تخالف كل التوقعات، الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يشمل تفكيك صاروخ واحد، ولم يلمس القدرة النووية بشكل جذري - بل تأجل الحديث عنها - والأسوأ من ذلك أن إيران خرجت منه أكثر جرأة وثقة وقوة.