محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. عبدالرؤوف الصيرفي حكمدار الجيزة الذي انتصر على الإرهاب حتى آخر نفس
محمود الجارحي يكتب: حكاية شهيد.. عبدالرؤوف الصيرفي حكمدار الجيزة الذي انتصر على الإرهاب حتى آخر نفس
لم يكن اللواء الشهيد عبدالرؤوف الصيرفي.. مجرد ضابط شرطة تدرج في المناصب حتى وصل إلى منصب حكمدار الجيزة.. بل كان واحدًا من أبناء مدرسة الأمن الذين آمنوا أن الواجب لا يعرف الراحة.. وأن حماية الوطن مسؤولية تستحق أن يُبذل من أجلها العمر كله.. أكثر من ثلاثين عامًا قضاها متنقلًا بين مواقع العمل الأمني المختلفة.. يطارد الخارجين على القانون ويقود رجاله في أصعب المواجهات، حتى كتب اسمه بين شهداء الوطن بعدما أصيب في عملية إرهابية غادرة استهدفت محيط جامعة القاهرة.
وبالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو.. تتجدد حكايات الرجال الذين وقفوا في الصفوف الأولى خلال واحدة من أخطر الفترات التي مرت بها الدولة المصرية.. حين واجهت البلاد موجة شرسة من الإرهاب استهدفت مؤسساتها ورجالها.. وكان الشهيد عبدالرؤوف الصيرفي أحد هؤلاء الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن، مؤمنًا بأن استقرار الدولة وأمن المواطنين يستحقان كل تضحية.
وُلد الشهيد.. عام 1956 بقرية قليشان التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وعرف منذ سنوات شبابه طريقه جيدًا. أنهى دراسته الثانوية بتفوق.. ثم التحق بكلية الشرطة عام 1975 ليحقق حلمًا راوده طويلًا، وتخرج ضابطًا عام 1979 ليبدأ رحلة طويلة من العمل والعطاء داخل جهاز الشرطة.
تنقل الصيرفي.. بين مواقع أمنية عديدة، وعمل في قطاع الأمن العام الذي يُعد أحد أهم وأصعب قطاعات وزارة الداخلية.. تولى رئاسة فرع البحث الجنائي بكفر الدوار، ثم رئيسًا لمباحث الشرقية، قبل أن يصبح مديرًا للمباحث الجنائية بالمحافظة لسنوات طويلة، نجح خلالها في ملاحقة أخطر العناصر الإجرامية واقتحام البؤر التي أرهقت المواطنين وأعادت الخوف إلى الشوارع.
عرفه زملاؤه ضابطًا ميدانيًا لا يكتفي بإصدار التعليمات من مكتبه، بل كان يشارك بنفسه في وضع الخطط وإجراء التحريات ومتابعة المأموريات. وخلال سنوات عمله في الشرقية، قاد حملات ناجحة ضد أخطر تجار المخدرات والعناصر الإجرامية الهاربة من الأحكام، وكان من أبرز الملفات التي نجح في حسمها ملاحقة وضبط عدد من أخطر الخارجين على القانون الذين فرضوا سطوتهم على بعض المناطق عقب أحداث يناير.
ومع كل نجاح جديد.. كانت مسؤولياته تكبر. فتولى مساعد مدير قطاع الأمن العام لسيناء، ثم وكيلاً لمصلحة الأمن العام، قبل أن يُعين حكمدارًا لمديرية أمن الجيزة، إحدى أكثر المديريات الأمنية حساسية في البلاد.
وفي الثاني من أبريل عام 2014.. دوى انفجار إرهابي بمحيط جامعة القاهرة نفذته عناصر تنظيم «أجناد مصر» الإرهابي. استهدف الانفجار قوات الشرطة المكلفة بتأمين المنطقة، وأسفر عن استشهاد العميد طارق المرجاوي وإصابة اللواء عبدالرؤوف الصيرفي وعدد من رجال الشرطة.
كانت الإصابة بالغة.. دخل الشهيد رحلة علاج طويلة بين المستشفيات وغرف الرعاية المركزة، وخضع لعمليات جراحية متتالية، بينما ظل زملاؤه وأفراد أسرته ينتظرون عودته من جديد إلى موقعه بين رجاله.. أشهر طويلة قاوم خلالها الألم بصمت المقاتلين، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصابته في ديسمبر 2014.
رحل عبدالرؤوف الصيرفي جسدًا.. لكنه ترك خلفه سيرة ضابط عاش عمره كله في خدمة وطنه، وتلاميذ تعلموا منه أن رجل الأمن الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي قضاها في الخدمة، بل بحجم ما قدمه من تضحيات. كما ترك أسرة تحمل اسمه بفخر، بينهم نجله الضابط فوزي الصيرفي الذي واصل السير على الدرب نفسه.
لم يكن الشهيد يبحث عن الأضواء أو المناصب.. لكنه كان واحدًا من الرجال الذين اختاروا الوقوف في وجه الخطر عندما تراجع الآخرون.. لذلك بقي اسمه حاضرًا بين شهداء الشرطة الذين كتبوا بدمائهم واحدة من صفحات البطولة في مواجهة الإرهاب.. وبقيت حكايته شاهدًا على أن الأوطان تُحمى برجال يؤمنون بأن الواجب أغلى من الحياة نفسها.