حتى لا تنسوا.. هذا ما اقترفته أيديكم حين حكمتم 12 شهرا

لم يكن العام الذي حكمت فيه جماعة الإخوان مصر، بين يونيو 2012 ويونيو 2013، مجرد فترة سياسية عابرة في تاريخ الدولة المصرية، بل تحول إلى واحدة من أكثر المراحل اضطراباً واستقطاباً في الوعى الجمعي للمصريين، عام كامل حمل أحداثاً صادمة، ومواجهات دامية، وصدامات مع مؤسسات الدولة، وأزمات مسّت حياة المواطنين بصورة مباشرة، لتتراكم أسباب الغضب الشعبى الذي انفجر في مشهد غير مسبوق يوم 30 يونيو 2013، عندما خرج ملايين المصريين دفاعاً عن الدولة الوطنية ورفضاً لمشروع رأوا أنه لا يعبر عن هويتهم وتاريخهم.

لقد أثبت المصريون، عبر تاريخهم الطويل، أنهم شعب يمتلك حاسة وطنية خاصة، يختلف ويحتج ويعارض، لكنه يلتف حول دولته حين يشعر أن هويتها ومؤسساتها تتعرض للخطر. ومن هنا جاءت ثورة 30 يونيو باعتبارها تعبيراً عن إرادة شعبية واسعة رفضت مساراً رأت فيه تهديداً للدولة المصرية لصالح مشروع تنظيمى ضيق.

كانت الشرارة الأولى مع الإعلان الدستورى الذي أصدره الرئيس الإخوانى الأسبق محمد مرسي في 22 نوفمبر 2012، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة، ومحصناً قراراته من الطعن القضائى، فضلاً عن تحصين مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور، لم يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً استثنائياً مؤقتاً، بل اعتبره قطاع واسع من المصريين محاولة لإعادة إنتاج حكم الفرد في ثوب جديد، امتلأت الميادين بالمتظاهرين الرافضين، وبدأت شعبية الجماعة في التراجع بصورة واضحة.

ثم جاءت واقعة حصار المحكمة الدستورية العليا في ديسمبر 2012، عندما منع أنصار الجماعة انعقاد جلسات أعلى جهة قضائية في البلاد، كان المشهد صادماً؛ إذ اعتبر كثيرون أن استقلال القضاء بات مهدداً، وأن الصدام مع مؤسسات الدولة أصبح سياسة ممنهجة لا مجرد خلاف سياسى عابر.

وفي الخامس من ديسمبر من العام نفسه، شهد محيط قصر الاتحادية واحدة من أكثر الليالى دموية في تلك المرحلة. خرج المتظاهرون احتجاجاً على الإعلان الدستورى، لكن المشهد انتهى بسقوط قتلى ومئات المصابين، بينهم الصحفي الحسينى أبوضيف الذي دفع حياته ثمناً لنقله الحقيقة، كما وثّقت الأحداث وقائع احتجاز واستجواب بعض المتظاهرين داخل محيط القصر، في مشهد ترك أثراً بالغاً في الضمير المصرى وأسقط الصورة التي حاولت الجماعة تصديرها عن نفسها.

ولم يكن القضاء بعيداً عن دائرة الصدام، بعدما تفجرت أزمة النائب العام بعزل المستشار عبدالمجيد محمود وتعيين المستشار طلعت عبدالله، اعتبر قضاة كثيرون القرار سابقة خطيرة تمثل تدخلاً مباشراً من السلطة التنفيذية في شئون العدالة، وجزءاً من محاولة إعادة تشكيل المؤسسات القضائية بما يخدم أهداف الجماعة.

أما دستور 2012، فقد تحوّل من وثيقة يفترض أن توحّد المصريين إلى عنوان جديد للانقسام. انسحب ممثلو قوى سياسية ومدنية وكنسية من الجمعية التأسيسية اعتراضاً على طريقة إدارة عملية الصياغة، بينما مضت الجماعة في استكمال المسار رغم اتساع دائرة الرفض، شعر كثير من المصريين أن الدستور لم يكن نتاج توافق وطنى، بل محاولة لفرض رؤية أحادية على الدولة والمجتمع.

وفي السياق ذاته، تصاعد الحديث عن مشروع «أخونة الدولة»، فقد وُجهت اتهامات للجماعة بالسعى للدفع بعناصر محسوبة عليها إلى مواقع تنفيذية وإدارية مؤثرة، بالتوازى مع محاولات تعديل قانون السلطة القضائية وخفض سن تقاعد القضاة، بما كان سيؤدى إلى خروج آلاف القضاة إلى المعاش المبكر، ورأى كثيرون في ذلك محاولة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق اعتبارات الولاء التنظيمى لا الكفاءة الوطنية.

وكشفت أحداث المقطم في مارس 2013 عن حجم الاحتقان المتصاعد. لم يعد مقر الجماعة مجرد مقر تنظيمى، بل تحول في نظر قطاعات واسعة من المصريين إلى مركز قرار موازٍ للدولة، ومع سقوط ضحايا ومصابين في الاشتباكات، اتضح أن الغضب الشعبى لم يعد حكراً على النخب السياسية، بل أصبح ممتداً في الشارع المصري.
وفي مدينة الإنتاج الإعلامي، دارت معركة أخرى عنوانها حرية الكلمة. تكررت التظاهرات والحصارات، وتصاعدت حملات التحريض ضد إعلاميين وصحفيين انتقدوا أداء الجماعة. ترسخت مخاوف من محاولات إخضاع الإعلام المستقل وترهيب الأصوات المعارضة، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة للدفاع عن حق المجتمع في إعلام حر يعبر عن جميع الآراء.

وفي الوقت نفسه، كان المواطن المصري يواجه أزمات معيشية متفاقمة. طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ونقص في البنزين والسولار، وانقطاعات متكررة للكهرباء أثرت على البيوت والمحال والمصانع. لم تعد الأزمة سياسية فقط، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، ما عمّق الشعور بعدم القدرة على إدارة الدولة وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية.

ولم تسلم الثقافة المصرية أيضاً من حالة الصدام، فقد أثار قرار وزير الثقافة الإخوانى علاء عبدالعزيز بإقالة الدكتورة إيناس عبدالدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية غضباً واسعاً بين المثقفين والفنانين، الذين رأوا في القرار محاولة للهيمنة على المؤسسات الثقافية وإعادة تشكيل الهوية الثقافية المصرية، وتحولت دار الأوبرا ووزارة الثقافة إلى ساحات احتجاج، أسهمت في توسيع دائرة الرفض الشعبى للجماعة.

كل هذه الوقائع لم تكن أحداثاً منفصلة، بل شكلت معاً مشهداً عاماً دفع ملايين المصريين إلى النزول في 30 يونيو، دفاعاً عن الدولة الوطنية ومؤسساتها وهويتها الحضارية. لقد أثبت المصريون مرة أخرى أنهم شعب يصعب خداعه طويلاً، وأن وعيه الجمعي قادر على التمييز بين الاختلاف السياسى المشروع ومحاولات احتكار الدولة وتغيير طبيعتها.

واليوم، وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ثورة 30 يونيو، لا يزال هذا الوعى حاضراً، ففي ظل محاولات التشكيك في الثورة أو التقليل من حجم التأييد الشعبى الذي حظيت به، تبدو ذاكرة المصريين أكثر صلابة، فالشعب الذي خرج بالملايين دفاعاً عن وطنه، يدرك حجم التحديات التي واجهتها الدولة، ويستطيع التفرقة بين النقد الموضوعى ومحاولات بث الإحباط أو إعادة تدوير خطاب الجماعة.

كما أن ما تحقق من مشروعات قومية وبناء للجمهورية الجديدة يمثل، بالنسبة لكثير من المصريين، دليلاً على أهمية الحفاظ على استقرار الدولة واستكمال مسيرة التنمية، وهو ما يفسر حالة الرفض الشعبى المستمرة لأى دعوات تستهدف هدم الثقة أو إعادة إنتاج الفوضى.

ويبقى الدرس الأهم من تلك التجربة أن حماية الأوطان لا تكون فقط بالقرارات والإجراءات، وإنما أيضاً بالوعي والمعرفة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى توثيق أحداث تلك المرحلة للأجيال الجديدة، وتعزيز الثقافة الوطنية، وكشف أساليب الجماعات المتطرفة في استغلال الأزمات ومحاولات اختطاف الدولة من الداخل.

إن الحفاظ على مكتسبات 30 يونيو مسئولية جماعية تتطلب استمرار جهود التوعية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى، وتقديم سرديات موثقة للتاريخ بعيداً عن التزييف أو الانتقائية. كما تفرض الضرورة دعم قيم المواطنة والانتماء واحترام مؤسسات الدولة، وترسيخ الثقة في قدرة المصريين على حماية وطنهم مهما تعددت التحديات.

لقد أثبتت التجربة أن جماعة الإخوان تصاب بحالة من الغضب كلما رأت إنجازاً يتحقق على أرض الواقع، لأنها تدرك أن نجاح الدولة المصرية واستقرارها يقوّضان خطابها القائم على التشكيك والفوضى. لكن المصريين، الذين أسقطوا مشروع الجماعة بإرادتهم الحرة، أثبتوا أنهم أكثر وعياً وإدراكاً، وأنهم قادرون على التمسك بدولتهم والحفاظ على مستقبلها.

وحتى لا ننسى.. تبقى 30 يونيو شاهداً على أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تتنازل عن هويتها، ولا تسمح لأحد باختطاف وطنها.