يا سفن العالم شغّلى محركاتك ليتدفق النفط!

جمال حسين

جمال حسين

كاتب صحفي

جملة ذات مغذى ومعنى قالها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يزف للعالم نبأ التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب مع إيران، موجهاً التهنئة إلى جميع الأطراف المشاركة فى التوصل إلى هذا الاتفاق، الذى تم إنجازه بصورة كاملة فى إشارة إلى بدء استئناف الملاحة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز، ورفع الحصار البحرى المفروض على إيران، مؤكداً أنه حين تتحرك السفن بثقة، تتحرك معها عجلة الحياة.

.. الجملة حملت أبعاداً اقتصادية وإنسانية واسعة. فالعالم الذى أنهكته الأزمات المتلاحقة يحتاج إلى مزيد من الاستقرار لا إلى مزيد من التوتر، ويحتاج إلى فتح طرق التجارة لا إلى إغلاقها، وإلى تدفق النفط لا إلى احتجازه خلف حسابات الصراع.

لقد فهم الجميع الرسالة.. ازدهار الاقتصاد العالمي يبدأ من حرية التجارة وأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة.. لذلك استقبل العالم هذه التحركات بارتياح، أملاً فى أن تظل السفن مبحرة، والموانئ مفتوحة، والنفط متدفقاً، والاقتصاد العالمى بعيداً عن شبح الأزمات الجديدة.

جملة أكدت أن الطاقة هى عصب الحياة ومحرك الاقتصاد العالمى. وعندما تتعرض إمدادات النفط للخطر، ترتجف الأسواق وتحبس الدول أنفاسها، وترتفع فواتير المعيشة على المواطنين فى كل مكان. لذلك لم يكن غريباً أن يستقبل العالم بارتياح أى خطوة من شأنها إعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وطمأنة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.

لذلك تحركت دول العالم بسرعة لفتح الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة الدولية وتدفق النفط دون عوائق، رافعين شعار لا مكان لتعطيل شرايين الاقتصاد العالمى ولا مجال لتحويل الطاقة إلى رهينة للصراعات والتوترات.

فالعالم أصبح فى أمس الحاجة إلى الوقود، الذى يدير المصانع ويحرك الطائرات ويضىء المدن ويدفئ البيوت. فكل برميل نفط يصل إلى وجهته يعنى استقراراً أكبر فى الأسواق وأسعاراً أكثر هدوءاً وفرصة أفضل للنمو الاقتصادى.

ولأن الاقتصاد لا يعرف الحدود، فقد انعكست هذه الأجواء الإيجابية سريعاً على البورصات وأسواق المال وشركات الشحن والتأمين. فالتجارة العالمية بطبيعتها تكره الغموض، وتبحث دائماً عن الاستقرار واليقين، وأى خطوة تقلل من مخاطر الإمدادات تجد صدى واسعاً لدى المستثمرين وصناع القرار.
لقد انتصرت المصالح الاقتصادية على التوترات، وانتهى كابوس الحرب وصمتت المدافع، ولا عزاء لنتنياهو الذى يمكن أن نراه خارج المشهد قريباً بعد سقوط أوهام الحرب،

لا غالب فى هذه الحرب فالجميع خاسرون لكن الخاسر الأكبر نتنياهو.. فبعد شهور من الدماء والدمار والرهانات الخاطئة لاح فى الأفق أخيراً شبح السلام، معلناً نهاية واحدة من أكثر الحروب قسوة وتعقيداً. وبينما تستقبل الشعوب خبر وقف القتال بارتياح وأمل فى استعادة الاستقرار، يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام حصاد سياسى ثقيل، بعدما فشل فى تحقيق الوعود التى رفعها، وتحولت هذه الوعود من ورقة لإنقاذ مستقبله السياسى إلى عبء يطارده داخلياً وخارجياً.. انتهى كابوس الحرب بالنسبة للملايين، لكن الكابوس الحقيقى ربما يبدأ الآن بالنسبة لنتنياهو نفسه.

سوف تتوقف المدافع عن إطلاق النار، وتهدأ الصواريخ ويتراجع هدير الطائرات، لتحل محله أصوات الباحثين عن الحياة بين الركام، يدرك العالم أن الحرب لم تكن سوى فصل مظلم من فصول المعاناة الإنسانية. فالحروب قد تبدأ بقرار من زعيم أو جنرال، لكنها تنتهى دائماً على أكتاف الشعوب التى دفعت الثمن من دمائها وأرزاقها وأحلام أبنائها.

الآن تتنفس المنطقة الصعداء بعد شهور طويلة من القلق والترقب والخوف من اتساع دائرة المواجهة إلى حرب عالمية ثالثة لا تبقى ولا تذر.. لقد عاش الملايين تحت وطأة التهديد اليومى ورائحة الحرب النووية تلوح فى الأفق، وتعلقت أنظار العالم بمصير منطقة كادت تنزلق إلى هاوية لا يعرف أحد مداها أو نتائجها.
الآن يقف نتنياهو أمام مشهد مختلف تماماً.. الرجل الذى راهن على الحرب لتحقيق انتصار سياسى يعيد ترميم صورته المتصدعة، يجد نفسه اليوم فى مواجهة أسئلة صعبة لا يمكن الهروب منها. ماذا حققت الحرب؟ وما حجم الخسائر التى خلفتها؟ وهل كانت النتائج بحجم التضحيات والدماء التى سالت؟

لقد أثبتت التجارب أن إشعال الحرائق أسهل كثيراً من إخمادها، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها أن تصنع استقراراً دائماً، أو تفرض سلاماً مستداماً. فالحروب تترك وراءها جراحاً عميقة لا تمحوها البيانات السياسية ولا المؤتمرات الصحفية ولا خطابات النصر المعلبة.

إن انتهاء الحرب ليس مجرد توقف للمعارك، بل هو انتصار لإرادة الحياة على ثقافة الموت، وانتصار للعقل على لغة السلاح، ورسالة تؤكد أن الشعوب مهما عانت لا تفقد قدرتها على النهوض من جديد. أما الذين اعتقدوا أن الحرب يمكن أن تكون سلماً دائماً للبقاء فى السلطة أو الهروب من الأزمات، فإن الوقائع تثبت مرة أخرى أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب تحتفظ دائماً بحقها فى طرح الأسئلة وانتظار الأجوبة. لقد كان الأمس يوماً أسود فى إسرائيل.. قرار ترامب أربك حسابات نتنياهو. وإسرائيل استيقظت على واقع جديد.. فعندما تتوقف المدافع تبدأ الأسئلة الصعبة وسيكون نتنياهو فى مهب العاصفة، وربما تكون نهاية الحرب بداية محاكمته سياسياً، لذلك فهو يبحث عن مخرج يواجه به غضب الداخل.. وبينما تنفست المنطقة الصعداء مع توقف القتال، بدأ الداخل الإسرائيلى معركة أخرى لا تقل ضراوة، عنوانها: من المسئول؟ وماذا حققت الحرب؟ وكيف انتهت؟ وفى قلب هذه العاصفة يقف نتنياهو محاولاً تسويق روايته للأحداث، بينما تتزايد التساؤلات والانتقادات من خصومه وحتى من بعض حلفائه. فالحروب قد تنتهى بقرار سياسى، لكن تداعياتها تبقى مفتوحة على حسابات طويلة ومعقدة، خاصة عندما لا تتطابق النتائج مع الوعود التى سبقت المعركة.
ترامب قال للعالم أنا صاحب القرار ونتنياهو لا يملك رفاهية الرفض.