وعد بلفور بفلسطين.. ووعد «نتنياهو» بأرض الصومال
التاريخ يعيد نفسه، وبنفس سيناريو «وعد بلفور» الذى استولت واحتلت إسرائيل بموجبه فلسطين وأصبحت شوكة فى ظهر الشرق الأوسط، يظهر الآن «وعد نتنياهو» الذى تقوم إسرائيل بموجبه بالهيمنة والسيطرة على إقليم «أرض الصومال»، والذى بدأ بتفرد إسرائيل بالاعتراف بهذا الإقليم الذى يحاول الانفصال عن دولة الصومال، رغم أنف المجتمع الدولى والأمم المتحدة، والصومال نفسها التى ترفض هذا الانفصال وتعتبره تمرداً، ومساساً بسيادتها، ولم تكتفِ إسرائيل بالاعتراف فقط وانتهاك القانون الدولى، بل قامت بانتهاك آخر، حيث افتتحت سفارة لأرض الصومال فى القدس، ضاربة بعرض الحائط قرارات الأمم المتحدة فى هذا الشأن.
هذا هو ظاهر الأمر، أما حقيقته الفعلية فهى قيام إسرائيل بتحويل مطار بربرة الموجود فى أرض الصومال إلى قاعدة عسكرية، تم تصويرها بالأقمار الصناعية ونشرتها الـ«سى إن إن» الأمريكية، ومنصة «ناتسيف نت» العبرية، وتشمل هذه الصور بناء حظائر طائرات تحت الأرض قادرة على استقبال طائرات متطورة، وبناء منصات دفاع جوى، وتقوم تل أبيب أيضاً بتجهيز ميناء بربرة البحرى المطل على البحر الأحمر ليكون قاعدة عسكرية لإسرائيل لاستقبال الغواصات الإسرائيلية، وذلك بعد أن قامت وفود عسكرية إسرائيلية بزيارة شواطئ «صومالى لاند» لاختيار المكان المناسب لإقامة القاعدة، كما سيتم الإعلان عن تحالف إثيوبى - إسرائيلى مع «صومالى لاند»، ليصبح لإسرائيل موضع قدم فى القرن الأفريقى، وتكون شوكة فى ظهر أفريقيا، تمهيداً للسيطرة على مضيق باب المندب من خلال الهيمنة الجوية والبحرية.
وفضلاً عن أن الأفعال الإسرائيلية ومحاولات تمددها فيها انتهاك للقوانين الدولية، وتعدٍّ صارخ على سيادة دولة الصومال على أراضيها، فإنها تهدد الأمن القومى المصرى وأمن البحر الأحمر.
وقد سارعت مصر، أمس الأول، بإصدار بيان عبر وزارة الخارجية، نددت فيه بإقامة سفارة لأرض الصومال فى القدس، مؤكدة فيه أن هذا الإجراء مخالف لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بوضع القدس، وشددت فيه على دعمها لسيادة ووحدة دولة الصومال على أراضيها.
إذا لم يتحرك المجتمع الدولى من خلال الأمم المتحدة، والدول الأفريقية من خلال الاتحاد الأفريقى، والدول العربية من خلال جامعة الدول العربية، لوقف هذا التمدد والتسلل الإسرائيلى، فإن منطقة القرن الأفريقى ستكون على فوهة بركان تماماً كما فعلت فى الشرق الأوسط.
إسرائيل تريد السيادة والهيمنة، من خلال ممارسات غير شرعية، وبتحالفات مشبوهة وبإجراءات سرية، وإذا لم ترتدع، فسيحدث فى مضيق باب المندب ما حدث فى مضيق هرمز، وستصل الآثار السلبية إلى كل شعوب العالم، هى تدعى أنها تحاول الاقتراب من اليمن للسيطرة على الحوثيين، تماماً كما قامت بالاستيلاء على الجنوب اللبنانى للسيطرة على حزب الله، واحتلالها للأراضى السورية للسيطرة على المتطرفين، لكن «وعد نتنياهو» هذه المرة هو الأخطر على الإطلاق، لأنه يتعلق بمضيق تمر عبره 30% من تجارة الحاويات عالمياً، وتقدر قيمة التجارة التى تمر عبره بتريليون دولار سنوياً، بالإضافة إلى عبور 8 ملايين برميل نفط يومياً، كما أنه منفذ العبور من وإلى قناة السويس. وأى مساس بأمن هذا المضيق هو لعب بالنار، وستضطر السفن والناقلات إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح وما يترتب على ذلك من ارتفاع فى نفقات النقل وزيادة فترات النقل.
لم تكن إسرائيل تستطيع القيام بكل هذه التحركات، وهذا التمدد، لولا الدعم السياسى والاقتصادى والعسكرى اللامحدود الذى تقدمه واشنطن لتل أبيب، فكيف لهذا الكيان أن يكون مشتبكاً فى حرب مع الفلسطينيين أصحاب الأرض واللبنانيين أصحاب الأرض، والسوريين أصحاب الأرض، والإيرانيين واليمنيين، وتكون له القدرة الاقتصادية والعسكرية على هذا التمدد الذى يبعد عن مكان احتلالها (فلسطين) 1500 كيلومترات، إلا إذا كان يحظى بدعم لا نهائى مفتوح من أمريكا ودول أخرى.
أنا على يقين بأن مصر ترصد كل التحركات الإسرائيلية السياسية والعسكرية، وأن هناك «تقدير موقف» يومياً ويمكن أن يكون كل ساعة، لما تقوم به إسرائيل، وتأثيره على الأمن القومى المصرى، وأمن المنطقة ككل، وإذا كانت مصر قادرة على ذلك وقادرة على حماية أمنها القومى، وردع إسرائيل إذا فكرت فى المساس بأمننا القومى، فإن هناك دولاً أخرى لا تستطيع ذلك، وإسرائيل تلعب على وتر التشرذم العربى والتفكك الأفريقى، وهذا هو الملف الأصعب والدور المهم الذى تقوم به مصر، من خلال مواقفها الثابتة فى جامعة الدول العربية وفى الاتحاد الأفريقى ومن خلال اتفاقيات التعاون ومشروعات التنمية التى تقوم بها فى الدول الأفريقية الشقيقة، ولعل إسراعها بتلبية نداء دولة الصومال الشقيقة ومشاركتها فى القوة المشتركة لحماية الصومال خير دليل.
أتمنى ألا يتكرر وعد بلفور فى أرض الصومال.
الكرة فى ملعب المجتمع الدولى.