اعترافات العائد من صفوف الإخوان: قضيت ليالي أحرس يافطة قماش وكلي قناعة أنني أحمي الدين..وجندت زوجتى وتلاميذ المدارس التي عملت بها.. وشعور الذنب يدمرني
اعترافات العائد من صفوف الإخوان: قضيت ليالي أحرس يافطة قماش وكلي قناعة أنني أحمي الدين..وجندت زوجتى وتلاميذ المدارس التي عملت بها.. وشعور الذنب يدمرني
قدم «أحمد حميدة» العائد من صفوف الإخوان خلال سنوات انضمامه لهم خدمات جليلة، بحجم الطلبة والأشبال الذين استطاع ضمهم للجماعة، لم يحاول «حميدة» حصرهم فى يوم من الأيام من فرط كثرتهم وخاصة بين طلبة الثانوى مستغلاً اختلاطه بهم فى المدارس، لكنه يتذكر أن المتوسط لم يكن يقل فى العام عن 60 طالباً فى التيرم الواحد، يمرون بكل مراحل التطور داخل التنظيم، بداية من الانتساب، ثم البيعة.

يضحك كثيراً وهو يتذكر الاختبار المرتبط بالبيعة، الذى يسمى «الاستدعاء»، والذى يكشف قابلية العضو للتنفيذ حتى دون فهم، والطاعة العمياء حتى لو فيها إيذاء للنفس، متخذين مبدأ سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل فى شعيرة الأضحية، إذ يتلقى العضو اتصالاً من قيادته بأمر محدد «تعالى فوراً»، يذهب العضو فيطلب من قيادته طلباً محدداً «اكتب وصيتك وضعها تحت مخدة أو فى مكان معين.. والصبح تجيلى المكان الفلانى»، وحسب رد فعل العضو تترتب البيعة، إذا نفذ أو خاف أو رفض أو سأل.. يضحك لأن الآلية تمت معه وصدقها، وفعلها مع غيره وصدقوه، وفى النهاية وحين الوصول إلى المكان الذى تحدده القيادة يجد من ينتظره برسالة «شكراً إنك استجبت.. اتفضل روح» وفى اليوم التالى تتم البيعة مع المفوض من مكتب المرشد فى حضور عدد من الأعضاء والقيادات، يتراصون فى مشهد معين متشابكى الأيدى، ومفوض المرشد يتلو عليه القسم «أقسم بالله العظيم أن أنفذ قرارات مكتب الإرشاد فى المنشط والمكره والعسر واليسر وإن خالفت رأيى، وأن أظل فى طريق الإخوان، والله على ما أقول شهيد»، ثم يهديه مصحفاً وكأنه رباط مقدس.. فالكل يؤهل نفسه للشهادة وأنه فى حرب من أجل الإسلام، ويعلم الله ونعلم نحن فيما بعد أن الإسلام برىء من كل هذا.

يتذكر «حميدة» أيضاً أنه فى فترة مراجعة النفس والرجوع من قبور الإخوان وبينما كان فى محبسه، دوّن على «فيس بوك» منشوراً يحمل ما هو أكثر من الندم على كل الشباب الذى دخلوا قبور الجماعة بسببه، وعلى يديه، كتب حينها «لو عاد بى الزمان سأكون حاجزاً منيعاً بين الإخوان وبين هؤلاء الشباب الذين تسببت فى ضياعهم»، يتذكر أنه قدم الاعتذار لكثير منهم ممن قابلهم فى السجن، وحالت الظروف بينه وبين الوصول لهم جميعاً، خاصة من ظل على قناعاته منهم، واجه حميدة رفضا قاسياً منهم واتهامات بالجملة من الجماعة بأنه ارتمى فى أحضان النظام، كيف هذا وقد قضى فى السجن 10 سنوات كاملة، دخله فى 2014 وخرج فى 2024، الاتهام كان يصرف أبناءه من شباب التنظيم عنه، والسجن كان فرصته فى الانتقال بعقلانية شديدة من مربع الموت إلى استنشاق الهواء من جديد، بحيث صار شخصين فى جسد واحد، «حميدة» 2024 ينظر إلى «حميدة» 2002 وما بعدها ثم يسأل نفسه: من هذا؟ لماذا ضيعت عمرك فى فكر معطوب، لماذا بذلت هذا الجهد لتتاجر بالدين وبآلام الناس ومصائبهم، حتى تصل إلى السلطة؟.
لم يكن الاستشهاد بسيرة النبى محمد، صلى الله على وسلم، والإسقاط على الإخوان ببعيد عن الجماعة، مارسته بجرأة منقطعة النظير، بخلاف التماهى والخلط ما بين التنظيم والدين، وما بين شخص النبى، عليه الصلاة والسلام، والصحابة وأفراد التنظيم، وما بين المراحل التى مر بها الإسلام والمراحل التى مرت بها دعوة الإخوان، حتى العوائق التى حددوها فى «عائق الزوجة» و«عائق الأولاد» و«عائق العمل الحياتى» و«عائق المال» و«عائق الأهل» و«عائق الأصحاب» أصبحت جزءاً من تحديات لا بد على الإخوانى أن يتخطاها كى يصل لهدفه.. يتذكر «حميدة» الغزوات التى كان يخوضها مع الإخوان، بقناعات واهية، داخل حدود قريته البسيطة، يصف إحداها باعتبارها «غزوة اليافطة» فى 2010، حين رفض أحد الخفراء تعليق لافتة لمرشح إخوانى، وحين حاول إسقاط اللافتة الدعائية، استشرس الإخوان فى الدفاع عنها، باعتبارها «راية» ولا يجب أن تسقط للإخوان راية، يضحك وهو يروى الإجراء الذى اتخذوه «اجتمعنا وشكلنا لجنة وعملنا حراسة على اليافطة وورديات على مدار اليوم».

يعلم «حميدة» أن اليافطة فى حد ذاتها ليست الهدف، لكن ما ترمز إليه بالنسبة لمجتمع الإخوان ولقدرة أفراده على فرض منطقهم، وأيضاً قياس السمع والطاعة لدى الأفراد، فمن يرضخ لحراسة لافتة قماش دون اعتراض أو ابداء وجهة نظر، تحقق لديه ركن السمع والطاعة وهو أحد الأركان الخمسة لدى الجماعة، ففعل المناقشة لديهم لم يكن فى القرارات نفسها، لكن فى آلية تنفيذها لمزيد من الشرح، والنموذج المثالى بالنسبة لهم كان القيادى الإخوانى محمد البلتاجى الذى عارض فكرة ترشح أحد قيادات الإخوان للرئاسة، لكن مع صدور القرار الإخوانى كان البلتاجى أول المباركين واضعاً «رأيه تحت حذائه» بحسب معتقدهم.
