18 يونيو في التاريخ والوجدان المصري

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

عاش المصريون في العصر الحديث 74 عاماً كاملة تحت الاحتلال البريطاني. غزت بريطانيا مصر عام 1882 بعد أن أغرقتها بالديون من خلال خطة محكمة بينها وبين فرنسا من خلال صندوق الدين. لم يكن الاحتلال الإنجليزي الأول في تاريخ مصر، بل كان امتداداً لاحتلال استمر ما يقرب من 25 قرناً، أي منذ عصور الفراعنة ودخول الاحتلال الفارسي مصر، وبعده سيطرة اليونانيين.. وهكذا.

عانى المصريون من حكم الغزاة على مدى 25 قرناً، بدءاً من الفرس ثم اليونان فالرومان والبيزنطيين، وبعد ذلك جاء العصر العربي الإسلامي، فتوالت دول عديدة على حكم مصر تحت ظل الخلافات الإسلامية التي حكمت العالم الإسلامي، فكان حكم الأمويين ثم العباسيين ممثلين في ولايات محلية، والدولة الطولونية، والدولة الفاطمية، والمماليك، ثم العثمانيين خلافةً وولايات.

خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية سددت مصر ثمناً فادحاً باعتبارها تحت الاحتلال الإنجليزي الذي سخر كل إمكانيات الوطن لمساعدته في الحرب، فأُجبر نصف مليون مصري على المشاركة في الحرب، ليسوا كجنود ولكن في مهن تخدم الجنود الإنجليز وحلفاءهم. وكانت مصر مورد الغذاء والكساء لجيوش الحلفاء، وتضعضع اقتصادها، وبقيت لها ديون لدى بريطانيا بالملايين.

خضعت مصر لحكم أسرة محمد علي الألباني ما يقرب من قرن ونصف القرن، ندرت فيها سنوات الراحة للمصريين، وبمرور الزمن وترسخ دولة أبناء محمد علي تجذر فسادهم في مصر، وامتلكوا ملايين الأفدنة، وعاش أبناء الشعب البعيدون عن السلطة على حدود الفقر، وتفشت الوساطة والمحسوبية، ولم يكن لأبناء الفقراء إلا الوظائف والمهن العادية، بعيدين عن المناصب السيادية في الجيش والقضاء والشرطة. وجاءت حرب فلسطين 1948 لتفتح أعين مجموعة من أبناء مصر الشرفاء، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، على هشاشة الدولة والمجتمع والنظام، ليقوموا بثورة 23 يوليو 1952، ويستردوا حكم مصر لأبنائها بعد 25 قرناً خضعت خلالها البلاد لحكم أجناس وأعراق من كل أنحاء العالم.

بعد الثورة لم يتحرك النظام الجمهوري لمحاربة الإنجليز على الفور، وإنما انتظر الأحرار حتى تتثبت أقدامهم ويسيطروا على زمام البلاد بيد قوية، وبعدها بدأ من 1954 التفاوض حول خروج الإنجليز من مصر، حيث خرجت قواتهم بعد 20 شهراً من توقيع اتفاق الجلاء الذي تم في 18 يونيو 1956.

خرج الإنجليز، وكان خروجهم الخطوة الأولى الكبرى لخروجهم بعد ذلك من المنطقة العربية ومن أفريقيا إلى الأبد. بعد خروجهم بأسابيع أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس والسعي إلى بناء السد العالي. لم تسكت إنجلترا وحليفتاها فرنسا وإسرائيل، فقاموا بالعدوان الثلاثي في أكتوبر من نفس العام. لكن مصر خرجت من العدوان منتصرة، وصارت لها مكانة كبيرة على مستوى العالم، وصار عبد الناصر أحد أبرز الزعماء، وقاد نزعة القومية العربية، وصارت شعبيته غير مسبوقة من الخليج إلى المحيط.

مضى 70 عاماً على جلاء الإنجليز وخروجهم من مصر التي كان يحكمها السفير البريطاني والمعتمد البريطاني، ويعدونها ملكاً لهم ولا يفكرون أبداً في مغادرتها. وربما لم يعش غالبية الشعب المصري تلك اللحظات التي شاهد فيها المصريون إنزال العلم البريطاني وصعود الجنود الإنجليز إلى السفن التي نقلتهم إلى بلادهم، لكن علينا أن نذكر لهم أن مصر كانت تُحكم من مقر السفارة الإنجليزية، وأن الملك أو رئيس الحكومة لم يكن يتمتع بنفس السلطة التي كانت للسفير أو المعتمد البريطاني. ولنتذكر حادث 4 فبراير، حيث أجبر الإنجليز الملك على إقالة حكومة وتعيين أخرى، وقد قام بتنفيذ أوامر الإنجليز، ولو لم يفعل لكان فقد عرشه.

كان الإنجليز ومعهم الفرنسيون والجنسيات الأوروبية الأخرى يسيطرون بشكل كامل على الاقتصاد المصري، كانوا يملكون البنوك والشركات الكبيرة ما عدا بنك مصر الذي أُسس في العشرينيات من القرن العشرين. حتى حكمدار البوليس كان إنجليزياً، وكذلك كل رؤوس المؤسسات والشركات الكبيرة، بينما كانت الأراضي الزراعية في حيازة عدد قليل من الإقطاعيين وباشوات ذلك العصر.

كان خروج الإنجليز من مصر بداية قطع ذيل الأسد البريطاني في العالم كله، بعدما كانت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عن أراضيها الشمس. فقد كانت تلك الجزيرة القزمة القابعة غرب القارة الأوروبية تحكم العالم في أكبر مساحة منه على مر التاريخ، لدرجة أن الشمس لا تغادر أرضاً يرتفع فيها العلم البريطاني.

علينا أن نشعر بالفخر بما فعلته ثورة 23 يوليو وجمال عبد الناصر، فبعد 25 قرناً، أي 2500 عام، تخلصنا من الاحتلال وعاد حكم مصر إلى أبنائها.