كلام في التراث!
السلفية في الاصطلاح هي: «الدعوة لإنزال حكم عصور السلف على الواقع بما فيها وما فيه».
والهدف هنا شديد الالتباس.
فلا يمكن إنزال أحكام قديمة لعصور قديمة على عصور حديثة، بصرف النظر عن ظروف العصرين ومتطلباتهما.
مكمن الأزمة هنا ومحل الخطورة في إصرار العقل السلفي على توقيف الإسلام على عصور المسلمين الأوائل.. وتوقيف الزمن عند زمن الأوائل.. وتوقيف العصر على عصر الأوائل! عصور الأوائل.
لا هو منطق.. ولا هو جائز.
ولا يجوز قصر الدين على فهم المسلمين الأوائل، فالسلف الصالح رضوان الله عليهم بشر يخطئ ويصيب.
ثم إن كل ما تركه السلف الصالح تراث.. والتراث ليس مقدساً.
المقدس هو الذي نزل من عند الله تنفيذاً لمقاصد الله، في حين أن التراث هو كل ما أحدثه الأولون في محاولاتهم لفهم مقاصد الله مما نزله سبحانه.
والإسلام متجدد.
يجوز للمسلم فيه الاجتهاد في عصره، كما سبق واجتهد أبو بكر رضي الله عنه في زمنه.
يجوز للمسلم أيضاً أن يجتهد في مجتمعه، خلافاً لما سبق واجتهد فيه أبو بكر رضوان الله عليه، في المسألة نفسها، لاختلاف الزمن وتباين الظروف.
التمسك والإصرار على الإقرار بأن مسالك السلف واجتهاداتهم رضوان الله عليهم هي وحدها الدين أو هي وحدها المرادف للدين، يعني تحويل الإسلام إلى تراث.. والإسلام ليس كذلك.
اجتهادات السلف الصالح ميراث لا قداسة فيه، لأن اجتهاد البشر كما اتفقنا تراث.
لكن كلام الله في كتابه.. ليس كذلك.
فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم الدين على ما أنزله الله.
وفطنوا رضي الله عنهم إلى ما في الإسلام من مرونة وقدرة على استيعاب الخلاف والاختلاف، على العكس تماماً مما فهمه الشيخ محمد حسان أو ياسر برهامي.
والمسلمون الأوائل رضوان الله عليهم أنفسهم لم يكونوا سلفيين.
ففي خلافة أبي بكر وقع خلاف شديد بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، بعدما جهز الأول جيشاً للخروج إلى ما سمي بحروب الردة.
رفض ابن الخطاب الحرب.
وتناقلت كتب التراث جملته المشهورة: «والله.. إن لم تكن فتنة لمنعته»!
أراد عمر منع أبي بكر رضي الله عنهما.. لولا الفتنة.
سبب الخلاف اختلاف المقاصد.. وتباين المنطق بين الاثنين.
ففي قرار الحرب تمسك أبو بكر بالاقتداء بالرسول في كل ما فعله صلى الله عليه وسلم في حياته، لذلك خرج لحرب من امتنع عن دفع أموال كانوا يدفعونها للنبي في حياته.
في المقابل، رأى عمر أن للنبي صلوات الله وسلامه عليه في حياته لا يمكن أن يكون لأحد غيره بعد وفاته.
أبو بكر في الأزمة كان سلفياً، بينما كان عمر تقدمياً، لذلك استنتج أن خروج المسلمين لحرب قبائل تدين بالإسلام.. لا يجوز.
تماماً كما استنبط أن ما كانت تؤديه تلك القبائل من أموال للنبي، كان حقاً قاصراً على النبي وحده.