قصف متعمد لمواقع أثرية وتراثية في إيران يعود تاريخها للقرن الـ14
قصف متعمد لمواقع أثرية وتراثية في إيران يعود تاريخها للقرن الـ14
داخل أروقة المساجد العتيقة، وبين الأعمدة الحجرية للقصور التاريخية، وتحت القباب المزخرفة، وعلى جدران حملت نقوشاً عمرها مئات السنين، وعلى امتداد المدن الأثرية التي حفظت ملامح حضارات متعاقبة، يخيم القلق على مواقع شكلت لقرون جزءاً من الهوية الثقافية لإيران، فالمعالم التي اعتادت استقبال الزوار والباحثين عن التاريخ، باتت تواجه خطراً من نوع آخر مع تصاعد التوترات، إذ لا تقتصر الحروب الحديثة على استهداف القواعد العسكرية والمنشآت الأمنية، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال، لتطول الذاكرة الإنسانية نفسها.
تدمير المواقع التراثية والأثرية في إيران
وفي الوقت الذي تستمر فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهات، يظل مصير المواقع التاريخية والثقافية في إيران محل قلق متزايد، ليس فقط بالنسبة للإيرانيين، بل للمجتمع الدولي بأسره، باعتبارها جزءاً من التراث المشترك للبشرية، فالحروب لا تقتل البشر وحدهم، بل تترك أيضاً ندوباً عميقة في ذاكرة الحضارات، وتمحو صفحات من التاريخ يصعب استعادتها. وفي قلب المواجهة التي شهدتها إيران برز وجه آخر أقل ظهوراً في النشرات الإخبارية يتمثل في الأضرار التي لحقت بمواقع تاريخية وتراثية، فبينما تركزت الأنظار على الضربات والأهداف الاستراتيجية كانت قصور ومساجد ومواقع أثرية عريقة تتعرَّض للاهتزاز والتصدع والتحطم بفعل الانفجارات والارتدادات الناتجة عنها، وذلك على الرغم من أن العديد من هذه المواقع مُدرَج على قائمة التراث العالمي.
جاء تدمير المواقع التراثية والأثرية في إيران رغم تحذيرات متكررة أطلقتها منظمة «يونسكو» من مخاطر تهدد التراث الثقافي في الجمهورية الإسلامية، بل عملت المنظمة الأممية على تزويد جميع الأطراف المعنية بالإحداثيات الجغرافية لمواقع التراث العالمي وغيرها من المعالم الثقافية المهمة، بهدف تجنب أي أضرار محتملة، كما أعلنت استمرارها في مراقبة أوضاع المواقع الأثرية عن كثب لضمان حمايتها، إلا أن ذلك لم يمنع وقوع أضرار متفاوتة في عدد من أبرز المعالم التاريخية الإيرانية. ففي قلب العاصمة طهران، يقف قصر «غلستان» شاهداً على قرون من التاريخ الإيراني، ويُعد القصر المعروف باسم «قصر حديقة الزهور» أقدم المعالم التاريخية في العاصمة والموقع الوحيد المدرَج على قائمة التراث العالمي لليونسكو داخل المدينة، ويتكون المجمع من ثمانية مبانٍ قصرية شُيدت خلال القرن السادس عشر، وتمثل نموذجاً فريداً للفن والعمارة الفارسية، لكن هذا المعلم التاريخي لم يسلم من تبعات الحرب، إذ تعرَّض لأضرار بعد هجوم صاروخي استهدف ساحة قريبة منه، وأسفرت الارتدادات عن تهشم أجزاء من الأسقف المزينة بالمرايا وتدمير بعض الأقواس وتحطم النوافذ، فيما تناثرت الشظايا والحطام داخل عدد من قاعات القصر.

وعلى بُعد مئات الكيلومترات جنوب طهران، تعرَّض قصر «جهل ستون» في مدينة أصفهان لأضرار مماثلة، ويُعد القصر أحد أبرز رموز العمارة الصفوية في إيران، واشتهر بلوحاته الجدارية وزخارفه الفنية الدقيقة، ويحمل اسم «الأربعين عموداً». وأكدت التقارير أن الهجمات التي استهدفت مبنى حكومياً مجاوراً أدت إلى تضرُّر القصر، حيث تحطمت أجزاء من البلاط التاريخي، وسقطت بعض الجداريات، وتضررت زخارف المرايا. وكذلك مسجد أصفهان الجامع لم يكن بعيداً عن دائرة التأثر، وهو المسجد المصنَّف من قبَل اليونسكو باعتباره شاهداً فريداً على تطور العمارة الإسلامية الإيرانية عبر 12 قرناً، كما تأثر قصر «علي قابو» بشكل كبير، إذ تسببت الانفجارات في تحطم بعض النوافذ والأبواب والزخارف القديمة التي تزين أروقته.
إسرائيل تعمدت قصف مواقع أثرية وتراثية إيرانية
وأوضحت «اليونسكو» أن خطورة هذه الأضرار تبرز في كونها لا تصيب حجارة صامتة، أو مباني جامدة فحسب، بل تمس شواهد حية على فترات تاريخية، شكلت جزءاً من الهوية الثقافية للمنطقة والعالم. وقال لازار إلوندو أسومو، مدير مركز التراث العالمي باليونسكو: «نشعر بقلق بالغ إزاء التأثير الذي تخلفه الأعمال القتالية بالفعل على العديد من مواقع التراث العالمي»، مضيفاً أنه قلق أيضاً على مواقع في الشرق الأوسط عموماً.

وفي غرب إيران، امتدت التأثيرات إلى «وادي خرم آباد» الذي يضم مجموعة من الكهوف والملاجئ الصخرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتشكل هذه المواقع دليلاً نادراً على استيطان الإنسان للمنطقة قبل آلاف السنين، وهو ما منحها مكانة عالمية وأدى إلى إدراجها على قائمة التراث العالمي في عام 2025، ورغم عدم استهداف هذه المواقع بشكل مباشر فإن الأضرار التي لحقت بالمباني والمنشآت المحيطة بها أثارت مخاوف بشأن سلامة هذا الإرث الإنساني الفريد وإمكانية تعرضه لمخاطر مستقبلية في حال عودة العمليات العسكرية.
أما حصن «فلك الأفلاك»، أحد أبرز معالم مدينة «خرم آباد»، فقد شهد هو الآخر آثاراً للحرب، ويعود تاريخ هذا الحصن إلى العصر «الساساني»، بين القرنين الثاني والسابع الميلاديين، ويضم اليوم متاحف أثرية وثقافية مهمة، وتشير المعلومات المتداولة إلى تعرُّض عدد من المباني داخل المجمع لأضرار مختلفة، من بينها المتحف الأثري، ومتحف الأنثروبولوجيا، بينما بقي الهيكل الرئيسي للحصن سليماً إلى حد كبير.
من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن إسرائيل تعمدت قصف مواقع أثرية وتراثية إيرانية يعود بعضها إلى القرن الرابع عشر، من بينها عشرات المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وأضاف الوزير الإيراني قائلاً: «الطبيعي أن يكره نظام لم يعمّر حتى قرناً واحداً الأمم ذات التاريخ العريق، لكن السؤال هو: أين اليونسكو؟»، واختتم بقوله إن «صمت» المنظمة الأممية على تدمير الذاكرة الإنسانية في إيران أمر «غير مقبول».