الحرب تلتهم تراث أوكرانيا.. 1169 موقعا ثقافيا تتحول إلى أنقاض
الحرب تلتهم تراث أوكرانيا.. 1169 موقعا ثقافيا تتحول إلى أنقاض
وسط شوارع خلت من المارة، وبين جدران تصدَّعت بفعل القصف الروسي، تقبع كنائس وكاتدرائيات ومتاحف أوكرانيا شاهدة على حرب لم تترك أثرها على البشر وحدهم، بل امتدت إلى ذاكرة المكان نفسها، فالأجراس التي ظلت تقرع لقرون، والقاعات التي حفظت تاريخ أجيال متعاقبة، باتت في مواجهة النيران والدمار، لتتحول بعض المعالم التي نجت من تقلبات الزمن والحروب السابقة إلى أنقاض خلال سنوات قليلة، وبينما تتصدر أعداد القتلى والنازحين مشاهد الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، تتوارى خلفها خسارة أخرى أقل ظهوراً لكنها لا تقل وقعًا، تتمثل في تآكل جزء من التراث الثقافي والتاريخي الذي يشكل هوية البلاد وذاكرتها الجماعية.
«يونسكو»: تحققنا من الأضرار التي لحقت بمئات المواقع
تُعد «كاتدرائية التجلي» في مدينة أوديسا من أبرز المواقع التي تعرضت لأضرار جسيمة، وهي أول كنيسة أرثوذكسية في المدينة، تأسست عام 1794، وتُمثل الكاتدرائية رمزًا دينيًا وتاريخيًا مهمًا للأوكرانيين، ما أثار موجة واسعة من الإدانات الدولية، كما طالت الأضرار المركز التاريخي للمدينة، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، والذي يضم مباني ومعالم معمارية تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولم تكن أوديسا وحدها في دائرة الأضرار، إذ شملت الخسائر مواقع تاريخية وثقافية في مدن أخرى مثل لفيف وخاركيف وتشيرنيهيف وكييف.
بعض المساحات اختفت بالكامل تحت الركام
في أكتوبر 2024، أشار مؤتمر السلطات المحلية والإقليمية، التابع لمجلس أوروبا، إلى تدمير أو تضرر أكثر من 1169 موقعًا للتراث الثقافي في أوكرانيا منذ بداية الحرب، بما في ذلك مواقع ذات أهمية عالمية، ومن بين أكثر الحوادث إثارة للقلق ما تعرَّض له متحف تشيرنوبل الوطني في العاصمة كييف.
فالمتحف الذي أُعيد افتتاحه بعد عملية ترميم شاملة تزامنت مع الذكرى الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية، تعرَّض لدمار واسع النطاق بعد فترة قصيرة من إعادة تأهيله، ويُعد متحف تشيرنوبل من المؤسسات الثقافية النادرة على مستوى العالم، إذ يكرس نشاطه بالكامل لتوثيق أسوأ كارثة نووية في التاريخ الحديث.
وقد افتُتح عام 1992 داخل مبنى تاريخي كان يُستخدم سابقًا كمحطة إطفاء في حي بوديل، ويحتفظ المتحف بآلاف الوثائق والصور والمقتنيات الشخصية الخاصة بعمال الإغاثة الذين شاركوا في احتواء الكارثة، إضافة إلى ملفات ووثائق ظلت سرية لعقود خلال الحقبة السوفييتية.
ووفقاً لإدارة المتحف فإن الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت كبيرة للغاية، حيث انهارت أجزاء من الأسقف وتضررت قاعات العرض والأرشيفات، فيما اختفت بعض المساحات بالكامل تحت الركام، وقالت مديرة المتحف فيتالينا مارتينوفسكا إن الدمار الداخلي شبه شامل، مؤكدة أن جميع غرف المتحف تعرَّضت لأضرار بدرجات متفاوتة، وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أنها تحققت من الأضرار التي لحقت بمئات المواقع الثقافية في أوكرانيا منذ اندلاع الحرب، من بينها مواقع دينية ومتاحف ومبانٍ تاريخية ومراكز ثقافية. من جهته، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن قلقه إزاء التهديد المتزايد الذي تواجهه الثقافة والتراث الأوكراني جرَّاء الحرب، معتبرًا أن استهداف المواقع الثقافية في المناطق المحمية يمثل انتهاكًا للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
ويستند هذا الموقف إلى اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، والتي تُعد الإطار القانوني الدولي الأبرز لحماية التراث الثقافي خلال الحروب، وتنص الاتفاقية على ضرورة امتناع أطراف النزاع عن استهداف الممتلكات الثقافية أو استخدامها لأغراض قد تُعرِّضها للخطر. بدورها وصفت المديرة العامة لليونسكو «أودري أزولاي» ما تتعرَّض له المواقع الثقافية الأوكرانية بأنه تصعيد خطير للعنف ضد التراث الثقافي، مؤكدة أن حماية المعالم التاريخية والدينية مسؤولية تقع على عاتق جميع أطراف النزاع بموجب القانون الدولي.
ولا تقتصر خطورة هذه الخسائر على الأضرار المادية التي تلحق بالمباني والمقتنيات، إذ يرى خبراء التراث أن تدمير المواقع الثقافية يؤدي إلى محو أجزاء من الذاكرة الجماعية للشعوب، فالمتاحف والكنائس والمراكز التاريخية ليست مجرَّد منشآت معمارية، بل تشكل سجلاً حيًا للأحداث والتقاليد والهوية الوطنية التي تراكمت عبر قرون، ومع استمرار الحرب تتواصل جهود التوثيق والحصر التي تنفذها المؤسسات الأوكرانية والمنظمات الدولية لتقييم حجم الخسائر ووضع خطط للحفاظ على ما تبقى من التراث الثقافي، كما تعمل جهات متخصصة على رقمنة الوثائق والمقتنيات التاريخية في محاولة لحمايتها من الضياع أو التدمير، وسط مخاوف من اتساع نطاق الأضرار في حال استمرار العمليات العسكرية.