حيلة خبيثة يستخدمها السرطان.. العلماء يعثرون على طريقة جديدة لإحباط الأورام

كتب: أمنية سعيد

حيلة خبيثة يستخدمها السرطان.. العلماء يعثرون على طريقة جديدة لإحباط الأورام

حيلة خبيثة يستخدمها السرطان.. العلماء يعثرون على طريقة جديدة لإحباط الأورام

في جيش المدافعين الذي يمثله الجهاز المناعي في جسم الإنسان، تمتلك كل خلية أهدافًا محددة تقوم بمراقبتها بدقة متناهية؛ فبمجرد أن يكتشف هذا النظام علامة على وجود غازٍ أجنبي أو خلية مصابة، فإنه يشن هجومًا فوريًا أو يقوم بتجنيد خلايا أخرى للمساعدة، مما يؤدي إلى حشد استجابة مناعية شاملة، لكن الباحثين اكتشفوا مؤخرًا شيئًا غير متوقع تمامًا حول كيفية محاربة الجهاز المناعي لمرض السرطان، وهو أمر يقلب نظرتنا التقليدية القديمة رأسًا على عقب فيما يتعلق بالأهداف المحددة التي تهاجمها الخلايا المناعية المختلفة.

خدعة الخلايا السرطانية للهروب من الجهاز المناعي

ويكمن جوهر هذا الاكتشاف الجديد في رصد خدعة ماكرة تستخدمها الخلايا السرطانية أحيانًا للتهرب من اكتشافها بواسطة دفاعاتنا الطبيعية، حيث تقوم أساسًا بإخفاء شارات هويتها المعروفة باسم معقدات التوافق النسيجي الرئيسية أو «MHCs»، ويساعد هذا الخداع التكتيكي الخلايا السرطانية على التهرب من رصدها بواسطة الخلايا التائية «CD8+»، وهي الخلايا المناعية الأساسية من النوع المدمر والمعروفة أيضًا في الأوساط الطبية باسم الخلايا التائية القاتلة، ومع هذا الاكتشاف العلمي الجديد، أدرك العلماء أن الخلايا السرطانية يمكن أن تصبح، بناءً على ذلك، أكثر عرضة للهجوم من قِبل خلايا مناعية أخرى كانت تعتبر في السابق بمثابة فريق دعم ثانوي فقط، وهي خلايا «CD4+ T» أو خلايا التاء المساعدة، بحسب ما ذكرت مجلة «science alert» العلمية.

إن هذه النتائج، التي توصل إليها باحثون في جامعة ميشيغان وكلية بايلور للطب في الولايات المتحدة الأمريكية، تتحدى عقودًا كاملة من أبحاث علم المناعة المستقرة، وقد تمتد آثارها وتطبيقاتها الطبية لتتجاوز جبهة محاربة السرطان أيضًا وفي هذا الصدد، يقول عالم المناعة بافان ريدي من كلية بايلور للطب، إن عملهم هذا، إذا تم التحقق منه بشكل أكبر في المراحل القادمة، سيكون له آثار ملموسة على الاستجابات المناعية التي تتوسطها الخلايا التائية، لتمتد إلى ما هو أبعد من السرطان وعلم المناعة الخاص بزراعة الأعضاء البشرية.

الخلايا السرطانية

كيف تخفي الأورام هويتها لتفادي هجوم الخلايا القاتلة؟

ومن الناحية البيولوجية، هناك فئتان رئيسيتان من معقد التوافق النسيجي الرئيسي MHC؛ حيث يتم الإبلاغ عن الفئة الأولى MHC I بواسطة جميع الخلايا ذات النواة في الجسم، باستثناء خلايا الدم الحمراء، وذلك لإخبار الجهاز المناعي بهوية الخلية وطبيعة ما تفعله، أما الفئة الثانية MHC II فتختلف قليلًا، إذ يتم التعبير عنها بشكل خاص بواسطة كشافة الجهاز المناعي، مثل الخلايا البلاعمية، لتكون بمثابة إنذارات وتنبيهات للخلايا التائية حول وجود مواد ضارة محتملة في الجسم، وفي السابق، كان الاعتقاد العلمي الراسخ يدور حول أن الخلايا التي تحمل علامات MHC I المشتبه بها يتم اصطيادها حصريًا بواسطة خلايا CD8+ T، بينما يتم التخلص من الخلايا التي تم تمييزها بواسطة MHC II عن طريق خلايا CD4+ T.

إلا أن النتائج الحديثة المستمدة من الاختبارات التي أُجريت على الفئران التجريبية، والتي تم التحقق من صحتها أيضًا في قواعد البيانات الجينية المسجلة من العلاجات التي أُجريت على المرضى البشريين، أظهرت أن الخلايا السرطانية التي تتخلى عن شارات MHC I الخاصة بها وتخفيها، تظل رغمًا عن ذلك عرضة للهجوم المباشر من الخلايا التائية المساعدة CD4+، وذكر الباحثون في ورقتهم العلمية المنشورة أنه في حين أن مسببات الأمراض والخلايا السرطانية غالبًا ما تقلل من عرض المستضد بوساطة MHC I للهروب من المراقبة المناعية، فإن الملاحظات الحالية تشير بشكل متناقض إلى أن هذا النقص قد يزيد في الواقع من حساسيتها للتخلص منها بوساطة الخلايا التائية CD4+، وبذلك، يؤكد العلماء أنهم يوسعون نطاق فهم MHC I خارج النموذج السائد منذ فترة طويلة في مناعة الخلايا التائية، والذي كان ينص على أن MHC I يتوسط بشكل حصري استجابات الخلايا التائية CD8+ فقط.

ودرس الباحثون كذلك نماذج فئران مصابة بداء الطعم حيال المضيف، وهي حالة مرضية تهاجم فيها الخلايا الجذعية المزروعة من متبرع أنسجة الجسم السليمة للمريض عن طريق الخطأ، وعندما غابت علامات MHC I في هذه النماذج التجريبية، ظلت خلايا CD4+ T قادرة تمامًا على قتل خلايا الأمعاء المستهدفة، مما يفسر بدقة كيف يمكن لخلايا المناعة القادمة من المتبرع أن تسبب ضررًا للأمعاء، وحدد الباحثون الآلية التي تقوم من خلالها الخلايا التائية CD4+ بعملها في هذه السيناريوهات؛ حيث تبين أنها تستخدم عملية بيولوجية تُعرف باسم موت الخلايا الحديدي، وهو شكل يعتمد على عنصر الحديد من أشكال موت الخلايا المبرمج، وكتب الباحثون مؤكدين أنهم حددوا الآن موت الخلايا الحديدي كعامل مساهم رئيسي في شدة مرض الطعم ضد المضيف المعدي المعوي، مشيرين إلى ضرورة تحديد ما إذا كان هذا النوع من موت الخلايا يساهم في تلف الأعضاء المستهدفة الأخرى من خلال الدراسات المستقبلية.