كرة القدم.. العلم والفهلوة

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

لم تعد كرة القدم مجرد مهارة فردية أو لياقة بدنية عالية أو سرعة فائقة كما كانت تُختزل أحياناً فى الماضى. لم تعد اللعبة تعتمد فقط على اللاعب الموهوب أو المدرب صاحب الكاريزما والخبرة الطويلة.

كرة القدم الحديثة أصبحت علماً قائماً بذاته، تُدرَّس نظرياته فى الجامعات والمعاهد المتخصصة، وتُدار أنديته ومنتخباته بعقلية المؤسسات الكبرى.

فى زمن الاحتراف الحقيقى، لم يعد هناك مكان للمدير الفنى «الفهلوى» الذى يعتمد على الحدس وحده، أو المدرب الذى يتعامل مع نفسه باعتباره صاحب الكلمة الوحيدة داخل المنظومة.

النجاح اليوم أصبح نتاج عمل جماعى تشارك فيه عشرات العقول والخبرات، يتصدرها المدير الفنى، لكنه لا يعمل منفرداً.

خلف كل فريق كبير نجد منظومة متكاملة تضم متخصصين فى الأحمال البدنية، وخبراء فى التغذية الرياضية، وأطباء نفسيين، وأخصائيى الطب الرياضى، ومحللى الأداء الذين أصبحت مهمتهم لا تقل أهمية عن مهمة المدرب نفسه.

هؤلاء يدرسون المنافس، ويفككون نقاط قوته وضعفه، ويراقبون أداء لاعبى فريقهم لحظة بلحظة، ويقدمون للمدرب معلومات دقيقة تساعده على اتخاذ القرار الصحيح.

التكنولوجيا أيضاً أصبحت لاعباً أساسياً داخل الملعب وخارجه.

أجهزة التتبع الحديثة وتقنيات الـGPS تمنح الأجهزة الفنية والطبية معلومات دقيقة عن كل لاعب: معدل الجهد، والمسافات المقطوعة، وسرعة الانطلاق، ومؤشرات الإرهاق.

بل إن بعض هذه الأنظمة تستطيع أن تنبه الجهاز الفنى إلى أن استمرار لاعب معين داخل الملعب بعد عدد محدد من الدقائق قد يضاعف احتمالات تعرضه للإصابة.

أما اللاعب نفسه، فلم يعد يكفى أن يكون صاحب موهبة كبيرة. اللاعب الحديث مطالب بأن يكون مرناً تكتيكياً، قادراً على تنفيذ أكثر من دور داخل الملعب، ومستوعباً لفلسفة المدرب وخطة اللعب.

فالموهبة وحدها لم تعد كافية، واللاعب الذى لا يستطيع التأقلم مع متطلبات المباراة الحديثة يصبح وجوده وعدم وجوده سواء.

خلال بطولات كأس العالم شاهدنا نماذج عديدة تؤكد هذه الحقيقة.

تابعنا تحركات نجوم كبار مثل كيليان إمبابى فى أول مباراة ضد السنغال، وكيف يتعامل المدرب مع اللاعب وفق رؤية علمية لا تحكمها الانفعالات اللحظية.

أضاع اللاعب فرصاً، واختفى لفترات وفقد الكرة كثيراً خلال الشوط الأول وحتى منتصف الشوط الثانى من المباراة، لكن الجهاز الفنى يمتلك من البيانات والتحليلات ما يجعله أكثر صبراً وثقة.

أحياناً يجلس المشجع أمام الشاشة متسائلاً: لماذا لا يتم استبدال هذا اللاعب؟ ثم تأتى الإجابة داخل الملعب عندما يسجل هدفاً أو يصنع الفارق فى اللحظة الحاسمة.

الثقة هنا ليست مجرد شعور شخصى لدى المدرب، بل هى نتيجة قراءة علمية شارك فيها محللو الأداء والجهاز الفنى والطبى بأكمله.

الجميع يمتلك معلومات ومؤشرات تؤكد أن اللاعب ما زال قادراً على صناعة الفارق، فيستمر داخل الملعب ويثبت صحة الرؤية.

ولهذا أصبحت كرة القدم الحديثة تشبه أى مؤسسة ناجحة فى العالم؛ مؤسسة تعتمد على التخطيط والدراسة والبيانات والعمل الجماعى.

لم يعد النجاح وليد الصدفة، ولم تعد البطولات تُحسم بالاجتهاد الفردى فقط، بل بمنظومة تعرف كيف توظف العلم والتكنولوجيا والخبرة البشرية فى خدمة الهدف.

لهذا أقول دائماً: كرة القدم لم تعد لعبة تُدار بالفهلوة، بل صناعة ضخمة لا مكان فيها إلا لمن يحترم العلم، ويؤمن بالعمل الجماعى، ويدرك أن الفوز يبدأ من العقل قبل أن يكون بأقدام اللاعبين.