مصر بتفرح!

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

في الساعات الأولى من الصباح تعالت الصيحات والهتافات في الشوارع المصرية وانسابت أغنيات حب مصر من المقاهي والبيوت احتفالاً بفرحة قلوب المصريين بعد الفوز التاريخي، لم يكن انتصار المنتخب المصري على نيوزيلندا بنتيجة 3-1 في كأس العالم 2026 مجرد فوز في مباراة كرة قدم، بل كان حدثاً استثنائياً حمل أبعاداً تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما حقق المنتخب المصري أول انتصار في تاريخه بمنافسات كأس العالم منذ مشاركته الأولى عام 1934. وقد جاء هذا الإنجاز بعد 92 عاماً من الانتظار، ليكتب جيل محمد صلاح صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية.

دخل المنتخب المصري المباراة تحت ضغط كبير، بعدما تعادل في الجولة الأولى أمام بلجيكا، بينما كانت نيوزيلندا تبحث هي الأخرى عن أول انتصار لها في البطولة. ومع تقدم المنتخب النيوزيلندي في الشوط الأول، بدا أن الحلم المصري قد يتعقد، لكن شخصية الفريق ظهرت بقوة في الشوط الثاني، حيث قلب الفراعنة النتيجة بثلاثة أهداف حملت توقيع مصطفى زيكو ومحمد صلاح وتريزيجيه، ليحقق المنتخب فوزاً استثنائياً وضعه في صدارة المجموعة السابعة مؤقتاً. لكن أهمية هذا الانتصار لا تكمن فقط في النقاط الثلاث، بل في الأثر النفسي والمعنوي الذي تركه لدى ملايين المصريين. ففي أوقات أزمات الشرق الأوسط التي خلفت ضغوطاً اقتصادية ومع الضغوط اليومية الحياتية، تصبح الرياضة أحياناً واحدة من المساحات القليلة التي تمنح الشعوب شعوراً جماعياً بالفرح والانتصار. لذلك لم يكن غريباً أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي والشوارع والبيوت المصرية إلى مساحات احتفال جماعي عقب صافرة النهاية.

لقد منح هذا الفوز المصريين شعوراً بأن الإنجاز ممكن مهما طال الانتظار. فكما انتظر المنتخب قرابة قرن لتحقيق أول انتصار مونديالي، فإن الرسالة التي تلقاها المواطن العادي هي أن الإصرار والعمل يمكن أن يؤديا في النهاية إلى نتائج تاريخية. ولهذا فإن قيمة الفوز تتجاوز الرياضة لتلامس وجدان المجتمع كله.

كما أعاد الانتصار إحياء صورة مصر على الساحة الدولية. فبطولات كأس العالم ليست مجرد منافسات رياضية، بل منصات عالمية تُقدم من خلالها الدول نفسها أمام مليارات المشاهدين. وعندما يظهر المنتخب المصري بصورة قوية ويحقق نتائج إيجابية، فإن ذلك يعزز صورة الدولة ويمنح مواطنيها شعوراً بالفخر والانتماء.

ولا يمكن تجاهل الدور الرمزي الذي لعبه محمد صلاح في هذه اللحظة، فالنجم المصري الذي حمل آمال الجماهير لسنوات طويلة نجح في تسجيل هدف مهم والمساهمة في صناعة الفارق، مؤكداً مكانته كأحد أبرز رموز الرياضة المصرية الحديثة. لقد أصبح «صلاح» بالنسبة لكثير من الشباب نموذجاً للإصرار والطموح، وجاء هذا الفوز ليضيف فصلاً جديداً إلى قصته مع المنتخب الوطني.

وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذا الانتصار في أنه أعاد للمصريين ذلك الشعور النادر بالفرح الجماعي. ففي لحظات كهذه تختفي الانقسامات والخلافات، ويتوحد الجميع خلف علم واحد وحلم واحد. إنها قوة الرياضة التي تجعل ملايين الأشخاص يعيشون اللحظة نفسها، ويشعرون بالفخر نفسه، ويهتفون بالاسم نفسه. أما على مستوى الجمهور العربي فقد توالت المنشورات بالتهنئة المليئة بالفخر والعزة من الأشقاء العرب، ولِمَ لا ونحن أبناء أمة واحدة مهما اختلفت التوجهات، يدفعنا ذاك الشعور بوحدة الهوية، ووجدت نفسي أتساءل عن رعونة الاحتلال الذي زرع نفسه في أرض ليست أرضه ويقحم نفسه عنوة في هوية وتراث لا يخصه ولا ينتمي إليه بدليل أن دولة الاحتلال لا تلعب في الدوري الآسيوي لأنها كيان غريب مستحدَث لا يرحب به أحد، لذلك أشفق عليه الاتحاد الأوروبي ليلعب في بطولته!

على أية حال لقد كان الفوز على نيوزيلندا أكثر من مجرد نتيجة في سجل كأس العالم؛ كان انتصاراً للذاكرة المصرية، ولحلم انتظرته أجيال متعاقبة، ونصراً فريداً لمصر يضاف إلى انتصاراتها السياسية على الساحة الدولية. وبينما يستعد المنتخب لمواصلة مشواره في البطولة، يبقى هذا اليوم علامة فارقة في تاريخ الرياضة المصرية، ودليلاً على أن الفرح الوطني الكبير قد يبدأ أحياناً من كرة تتجاوز خط المرمى.