الإعلام والحقيقة الضائعة
درسنا وقرأنا عن الدعاية – قبل الإعلام – وعرفنا أنها أنواع ثلاثة، بيضاء ورمادية وسوداء، أما البضاء فهي الدعاية الإيجابية، والسوداء الدعاية المغرضة الموجهة، وأم الرماية فهي التي تكون بين بين، أي التي تحتمل الإيجابية وقد تكون سلبية. تطورت الدعاية منذ فجر التاريخ بأساليب ليس هنا وقت شرحها، لكن ما نشهده الان في العالم من دعاية وإعلام وميديا وسوشيال ميديا يفوق التصور ويتجاوز الخيال. لم في استطاعة فرد واحد في العالم التيقن من معرفة، هل ما ينشر أو يبث، حقيقة أو محض وهم أو كذب أو تضليل، لا يمكن حصر وسائل الإعلام في العالم ولا يمكن حصر ما تملكه الدول من وسائل موجهة تمارس الإعلام بحسن نية أو سوء نية. صار كل فرد منبرا إعلاميا متنقلا يبث ما يشاء وقتما يشاء إلى من يشاء بالمحتوى الذي يشاء. صارت الدول الكبرى تستخدم الإعلام سلاحا بتارا لا يضاهيه حتى السلاح النووي، فيمكن لدولة أن تخضع شعبا أو دولة خصم بدون إطلاق رصاصة واحدة، وما حدث مع الاتحاد السوفييتي ليس ببعيد .
بعد اختراع الطباعة لم يكن الإنسان يدري أنه فتح الباب لأكبر ثورة في صناعة الرأي والإعلام، حين صدرت الصحف لأول مرة بدا الأمر انتصارا للحقيقة ، أصبح بالإمكان نقل الوقائع إلى جمهور لا نهاية له. لكن الحقيقة سرعان ما تراجعت وتبين أن لها منافسا خطيرا اسمه المصالح . كل سلطة أرادت أن تجعل الصحيفة لسانها فسيطرت على الصحف، وكل حزب أراد أن يحولها إلى منبره فاشترى منها الكثير، وكل جماعة سعت إلى أن تجعل منها مرآتها الخاصة فسعت إلى ضم أكبر عدد منها .
بوجود الراديو والتلفزيون اتسعت القدرة على التأثير حتى صار الإعلام قوة تفوق قوة الجيوش المسلحة. لم يعد دورهما نقل الخبر فحسب ، بل أصبحا قادرين على صياغة الوعي ذاته. أدركت الدول الكبرى أن الانتصار في الحروب لا يتحقق فقط في ساحات القتال، بل بصورة اكثر تأثيرا في ساحات السرديات والروايات. منذ ذلك الحين بدأت معركة جديدة لا تقل ضراوة عن المعارك العسكرية، معركة السيطرة على تفسير الواقع .
لكن ما نشهده اليوم يتجاوز كل ما عرفته البشرية من قبل. دخلنا عصرا لم تعد فيه المؤسسات الإعلامية وحدها تحتكر الكلمة. التليفون المحمول تحول إلى مطبعة وقناة تلفزيونية ومحطة إذاعية في آن واحد. صار كل إنسان منشأة إعلامية متحركة، يلتقط الصورة ويبث الخبر ويعلق ويحلل ويؤثر في آلاف البشر خلال دقائق معدودة .
هنا بدأت الفوضى الكبرى، كان العالم يشكو سابقا من قلة المعلومات، أما اليوم فهو يغرق في طوفان منها. المفارقة أن كثرة المعلومات لم تؤد إلى زيادة اليقين، بل إلى استفحال الشكوك. الإنسان المعاصر يستيقظ على عشرات الروايات المتناقضة حول الحدث الواحد، يرى الصورة ونقيضها ، التفسير وضده ، والشاهد ومن يكذبه. وكل طرف يمتلك خبراءه وإحصاءاته وصوره.
حين تندلع الحرب لا يكون السؤال ماذا حدث ؟ بل: أي رواية سنصدق ؟ في الحروب الحديثة لا تسير الدبابات وحدها، بل تسير معها الجيوش الإلكترونية. لا تنطلق الصواريخ فقط، بل تسبقها آلاف الحسابات والمنصات والهاشتاجات. كل طرف يعلن أنه الضحية وأن الآخر الجلاد . كل طرف يقدم الأدلة التي تؤيد روايته ويحجب ما يناقضها. هكذا يجد الفرد العادي نفسه تائها في غابة من السرديات المتصارعة .
الحرب الأمريكية على إيران, تعطي مثالا مجسدا على ذلك. خلال ساعات قليلة امتلأت الشاشات والمنصات بتحليلات متناقضة وأخبار متضاربة وتسريبات مجهولة المصدر . لم يعد المشاهد يعرف أين تنتهي الوقائع وأين تبدأ الحرب النفسية. صارت المعركة الحقيقية لا تدور في السماء أو على الأرض بل في عقول المتابعين، الأخطر أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتف بنقل الفوضى ، بل صارت مصنعا لها. خوارزميات المنصات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن لفت الأنظار . وبالفطرة , الانتباه البشري ينجذب بطبيعته إلى الصدمة والغضب والخوف والإثارة . لذلك تنتشر الأخبار المثيرة أسرع من الأخبار الدقيقة، وتجد الأكاذيب أحيانا طريقها إلى الجماهير قبل أن تلحق بها الحقائق بأيام أو أسابيع .
انتقلنا من عصر البحث عن المعلومات إلى عصر الإغراق بالمعلومات . في الحالتين كانت الحقيقة الضحية, في الماضي كانت تحجب ، واليوم تدفن تحت جبال من المحتوى المتراكم , ضاعت قدرتنا على رؤيتها وسط الضجيج , لم تعد تقدم نفسها كما كانت تفعل من قبل . أصبح الوصول إليها يحتاج جهدا مضنيا ومقارنة للمصادر ووعيا بطبيعة المصالح الكامنة خلف السرديات المختلفة .
الأزمة في جوهرها ليست أزمة إعلام فحسب، بل أزمة إنسان, المنصات الرقمية لم تخلق نقاط ضعفنا، إنما كشفتها واستثمرت فيها , وجدت في الميل البشري إلى التصديق السريع والتحيز للجماعة والبحث عما يؤكد القناعات المسبقة ، منجما لا ينضب للتأثير والتوجيه . وحين تضيع البوصلة تتحول الأمواج المتلاطمة إلى مرايا مكسورة ، يرى فيها كل إنسان صورته الخاصة ويظنها الحقيقة كلها .