محمود الجارحي يكتب: بعد إعدام نورهان خليل.. ماذا ستقول لأمها التي قتلتها عند اللقاء الأخير؟

كتب: محمود الجارحي

محمود الجارحي يكتب: بعد إعدام نورهان خليل.. ماذا ستقول لأمها التي قتلتها عند اللقاء الأخير؟

محمود الجارحي يكتب: بعد إعدام نورهان خليل.. ماذا ستقول لأمها التي قتلتها عند اللقاء الأخير؟

المكان: شقة سكنية في عقار بحي الفيروز ببورفؤاد في بورسعيد

الزمان: الساعة 3 عصر يوم الخميس 19 ديسمبر 2022

الحدث: فتاة تدعى «نورهان خليل» طالبة بكلية الآداب جامعة بورسعيد، متهمة بالقتل العمد لوالدتها، كيف نفذت نورهان الفتاة العشرينية جريمتها البشعة بمساعدة صديقها «صبي» لم يتجاوز الـ15 عاما؟، وماذا عن دافع الجريمة؟، التفاصيل كشفت عنها تحريات المباحث وتحقيقات النيابة واعترافات المهتمين وتقرير الطب الشرعى جاءت كالتالي:

عصر يوم الخميس الموافق 19 ديسمبر عام 2022، وبالتحديد داخل العقار رقم 138 في حي الفيروز بمدينة بورفؤاد بمحافظة بورسعيد، العقار مكون من 5 طوابق، كان توقيت جريمة قتل سيدة تدعى «داليا سمير» 42 عاما، مشرفة عمال في أحد المستشفيات بمدينة بورفؤاد محافظة بورسعيد.

كانت المجني عليها آنذاك مستغرقة في النوم داخل شقتها التي تقع في الطابق الثاني، الشقة تبلغ مساحتها قرابة 120 مترا، مكونة من 3 غرف وصالة وحمام ومطبخ، بينما كانت ابنتها نورهان واقفه فى البلكونة، تطلب من صديقها يدعى «حسين» 15 عاما طالب الذي كان ينتظرها تحت الشقة لحين تنفذ الجريمة المتفق عليها، أن يصعد إلى الشقة لتنفيذ جريمتهما، 90 ثانية وكان حسين داخل الشقة، ومعه شاكوش – عصى خشبية مثبت فيها مسامير، ودار حوار بينهما لمدة دقيقة وسألها عن والدها وشقيقها الأكبر، أخبرته أنّهما في العمل، وشقيقها الأصغر في الدرس ووالدتها في غرفتها مستغرقة في النوم.

بكل هدوء تحرك المشتبه به إلى باب غرفة المجني عليها، وبمجرد أن فتح باب الغرفة ودون تردد أمسك العصى الخشبية المثبت عليها مسامير، وتعدى على المجني عليها بكل قوة، حاولت الأم المقاومة والاستغاثة بالجيران وصرخت، وحاول المتهم كتم أنفاسها إلا أنّها دفعته وخرجت من الغرفة مسرعة إلى باب الشقة محاولة للاستغاثة بالجيران، إلا أنّه أمسك بها بمساعدة المتهمة وطلب منها مياه سخنة، فسكبت المياه الساخنة على وجه والدتها.

لم ينته الاثنين من جريمتهما، أمسك شاكوش وضربها على رأسها حتى انفجرت، بينما أمسكت المتهمة سكينا وسددت لأمها طعنات حتى تأكد الثنائي أنّ المجني عليها لفظت أنفاسها الأخيرة.

سحب المتهم الضحية إلى غرفتها ونظف ملابسه من الدماء، واستولى على هاتف المجني عليها، وأخذ الأدوات المستخدمة في الجريمة وغادر بكل هدوء، وبعدها انطلقت صرخات من الفتاة – نورهان – ابنة الضحية، قالت إنّها وهي عائدة من الخارج عثرت على والدتها مقتولة، وأنّ هناك شخصا قتلها وسرق هاتفها ومبلغ مالي من الشقة.

لحظات وحضر الأب وباقي أفراد الأسرة، وابلغ الجيران الشرطة، واتصل أحدهم بشرطة النجدة، وتجمع سكان العقار وأهالي المنطقة في مكان الجريمة، وحضرت قوات الشرطة إلى مسرح الواقعة، برفقة محقق النيابة والطبيب الشرعي، وبدأت المعاينة الأولية لمسرح الجريمة.

وسأل المحقق اللواء ضياء عن تفاصيل البلاغ، فرد عليه الأخير قائلا: «ورد إلينا بلاغ من شرطة النجدة، أفاد بأنّ هناك جريمة قتل في العقار محل الفحص، البلاغ ورد لقسم شرطة بؤرفؤاد التابع له حي الفيروز، انتقلت أنا والضباط وصعدنا إلى الشقة مسرح الجريمة، عثرنا على المجني عليها داخل غرفة نومها غارقة في دمائها، الضحية سيدة أربعينية متزوجة ولديها 3 أبناء، الفتاة التي أبلغت عن الحادث و2 آخرين، زوجها كان في عمله بصحبة ابنه الأكبر وهناك أكثر من شاهد أكد لنا هذا، وابنه الأصغر طفل في المرحلة الابتدائية كان مع عدد من أصدقائه خارج الشقة، الأسرة انتقلت إلى الإقامة هنا منذ قرابة عام، كانوا مقيمين في منطقة السلام بالمحافظة ذاتها، والضحية موظفة تعمل مشرفة عمال في إحدى المستشفيات، المجني عليها حسنة السمعة وتتمع بسيرة طيبة بين جيرانها وزملائها فى العمل، وتبين لنا أيضا آثار بعثرة داخل غرفة القتيلة – وآثار دماء من حمام الشقة للغرفة، ما يشير إلى أنّ المتهم هاجم الضحية أثناء وجودها في الغرفة ومن المحتمل أنّها كانت نائمة وفاجأها المتهم وحاولت مقاومته، أيضا تبين اختفاء مبلغ مالي بسيط وهاتف المجني عليها، عثرنا أيضا على تي شيرت ملطخ بالدماء يبدو أنّه آثار لدماء الضحية وأنّه يخص القاتل منفذ الجريمة، لأنه ليس تي شيرت يخص أولاد الضحية».

وسأل المحقق عن التقرير الطبي الخاص بالضحية رد اللواء ضياء قائلا: «التقرير الطبي أكد أنّ المجني عليها قتلت قبل العثور عليها بقرابة 25 دقيقة، وأنّ الجاني أكثر من شخص، وهناك آلة حادة وعصي خشبية وسكين ومادة حارقة قد تكون مياه مغلية تم استخدمها في الجريمة التي استغرقت قرابة 35 دقيقة وهناك آثار للمقاومة».

بينما كان اللواء ضياء زامل، يكشف للمحقق تفاصيل البلاغ والمعاينة، حضر اللواء مدحت عبدالرحيم مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن بورسعيد آنذاك، إلى مسرح الجريمة، وكان يستجوب زوج الضحية وأفراد أسرتها، وجاء كلام الزوج وابنه الأكبر مطابقا لما جاء على لسان الشهود بأنّهما كانا في العمل، وأنّ ابنته نورهان هي التي أبلغت عن الجريمة، وتوجه اللواء عبدالرحيم إلى الفتاة نورهان، وبدت علامات الارتباك تظهر عليها، ولاحظ أنّ ملابسها غير منظمة، وهناك آثار دماء على البلوزة التي ترتديها، وآثار نقطة دماء على يدها، ودون مقدمات طلب التحفظ عليها، وانطلقت صرخات الفتاة وسط ذهول أسرتها والجيران وهي تردد عبارة «أنا معملتش حاجة أنا معملتش حاجة، مش أنا اللي قتلتها حسين هو السبب»، وطلب اللواء عبدالرحيم استكمال التحريات حول الشخص المشتبه به، وفحص هواتف الاثنين وسرعة ضبط وإحضار المتهم الثاني المشتبه فيه بارتكاب الواقعة بمساعدة المتهمة الأولى.

دقائق معدودة، واتجه المحقق وبصحبته اللواء ضياء إلى قسم الشرطة لاستجواب الفتاة المشتبه بها، وذلك بعد أن صرحت النيابة بدفن الجثمان بعد عرضه على الطب الشرعي، ووصل محقق النيابة وطلب إحضار الفتاة لمناقشتها، وبدأ محقق النيابة مواجهة «نورهان» قائلا: «أنتِ متهمة بقتل والدتك عمدا مع سبق الإصرار والترصد؟، دون مقدمات اعترفت بارتكاب الواقعة، وبدأ المحقق عرض الأدلة ومناقشتها وجاءت كالتالي: توصلت تحريات المباحث إلى أنّ علاقة خاصة بينك وبين المتهم الثاني، دفعتك للتخطيط لتنفيذ جريمتك، وهناك أيضا تي شيرت للمتهم عثر عليه في مسرح الجريمة مطلخا بدماء الضحية، كما عثر على بلوزة لكِ ملطخة بدماء الضحية، وهناك محادثات بينك وبين المتهم وتسجيلات صوتية تؤكد الاتفاق على قتل المجني عليه - والدتك».

أجابت المتهمة وأكدت صحة ما جاء في التحريات، وأضافت قائلة: «أيوا كل ده حصل، أنا اتفقت على قتل أمي عشان الفضيحة، كشفت علاقتي الخاصة بالمتهم التاني - جارها - طفل لم يتجاوز الـ15 عاما».

انتهت جلسة التحقيق مع المتهمة، وكانت القوات قد تمكنت من ضبط المتهم الثاني وهو طفل لم يتجاوز 15 عاما، ومثل أمام محقق النيابة، وبكل هدوء وثبات يحسد عليه، اعترف بتنفيذ جريمته بالاتفاق مع المتهمة الأولى.

عقب الانتهاء من مناقشة المتهمين، تم إجراء معاينة تصويرية وشرح فيها كل متهم دوره وسجلته النيابة العامة بالصوت والصورة، وحرزت الأسلحة المستخدمة في الجريمة، وملابس المتهم الملطخة بالدماء وملابس المتهمة الموجود عليها آثار دماء والدتها، وأُحيل ملف القضية إلى الجنايات.

يوم السبت 18 فبراير عام 2023، ظهرت الفتاة وصديقها داخل قفص الاتهام فى قاعة محكمة جنايات بورسعيد، وأصدرت محكمة الجنايات قرار بإعدام المتهمة نورهان وايداع الطفل في دار رعاية كونه طفلا ليقضي فترة عقوبته بالسجن.

بعد مرور عدة أشهر على صدور الحكم، باشرت الجهات المختصة استكمال الإجراءات القانونية، حيث نظرت محكمة النقض الطعن المقدم من المتهمة، وانتهت إلى رفضه وتأييد حكم الإعدام الصادر من محكمة الجنايات، ليصبح الحكم نهائيًا وباتًا واجب النفاذ.

وفي صباح أمس، نفذت الجهات المختصة حكم الإعدام بحق المتهمة، بعد استنفاد جميع درجات التقاضي، وإسدال الستار بشكل كامل على ملف القضية، وفقًا للإجراءات القانونية المتبعة في مثل هذه الأحكام.

رحلت القضية بكل ما حملته من تفاصيل قاسية، وبقيت حاضرة في الذاكرة العامة كإحدى أكثر القضايا الأسرية صدمة، لتظل شاهدًا على لحظة انهيار إنساني داخل أسرة كاملة انتهت أمام ساحات العدالة.

انتهت القصة في ساحات العدالة، لكن مشهد الحساب الحقيقي يبقى أبعد من الأرض، هناك، حيث لا حكم ولا أوراق ولا استئناف، تقف البنت أمام والدتها التي رحلت بيدها، ولا كلمات يمكن أن تمحو ما حدث.