عصر القوى المتوسطة
في خمسينات القرن الماضي سحقت الدبابات السوفيتية ثورة المجر وسيطرت على البلاد وفرضت النظام المراد بدون ضجيج كبير. كانت القوة العظمى السوفيتية قادرة على تنفيذ مهمتها في غضون أيام أو أسابيع على الأكثر. في الستينات كررت الدبابات السوفيتية نفس المشهد في تشيكوسوفاكيا، رغم الدولتين، المجر وتشيكوسلوفاكيا كانتا حليفيتين للاتحاد السوفييتي.
على العكس من هذين المثالين، كانت حروب أمريكا في كوريا وفيتنام وإيران وغيرها من الدول. تختلف ظروف كل حرب حسب موازين القوى العسكرية للأطراف وكذلك حسب الموازين الاستراتيجية للقوى العظمى نحة كل طرف، لكن المشهد تغير هنا بشكل استراتيجي جوهري، حيث استطاعت إيران أن توقف القوة الأمريكية الجبارة، حتى وإن لم تهزمها بالمعنى العسكري الصريح، لكنها كبحت جماح تفوقها وهيمنتها ووصلت معها إلى اتفاق لصالح إيران أكثر منه لصالح أمريكا. كما أن أوكرانيا صمدت أمام الآلة العسكرية الروسية لأكثر من أربع سنوات رغم تجاور الحدود وسهولة وصول النار العسكرية الروسية إلى كل الأراضي الأوكرانية.
هذه الظواهر تطرح سؤالا عن مدى التغير الحادث في موازين القوى، وطبيعة عوامل التغير، فلم تعد أعداد الجويش بذات قيمة ولم تعد الأسلحة الثقيلة لها نفس التأثير السابق، كالدبابات مثلا أو المدافع التي تكاد تختفي. وهل تؤدي هذه التغيرات إلى تعديل معايير القوى المتوسطة والإقليمية؟ هل تصبح دول مثل إيران ومصر وتركيا أنداد للقوى العظمى يمكنها كبح جماح قواها الغاشمة؟ بعد أن رخص ثمن السلاح الأكثر فاعلية وهو المسيرات وكذلك الصواريخ المعدلة، وانتشار الصواريخ الباليستية التي لا تتطلب حشد الجيوش على الحدود؟
لكي نفهم ثورة الحروب في الزمن المعاصر، لا بد أن نحللها بمفهوم القرن الحادي والعشرين وليس بمنهج القرون السابقة، من قبل كانت الحرب معارك جيوش نظامية، دبابات تزحف على الأرض، طائرات تحلق على علو شاهق لإسقاط قنابل تزن أطنانا، حاملات طائرات تهيمن على البحار. هذه الصورة جعلتنا ننسى أن جوهر الحرب في بداياته الأولى كان مختلفا تماما.
كان القتال فرديا أو قبليا، يعتمد على المبادرة الشخصية والخداع والكمائن واستغلال كل زاوية في الأرض لصالح الضعف أمام القوة. ثم جاءت الإمبراطوريات ونظمت هذه العشوائية، وجعلت من الحرب صناعة ممنهجة، ومن الجنود أرقاما، ومن الاستراتيجيات حسابات رياضية دقيقة. استمر هذا التطور لقرون، حتى أوصلتنا الحربان العالميتان إلى ذروة التنظيم العسكري، حيث أصبحت الدول العظمى تمتلك آلات حرب هائلة، لا تقبل المنافسة ولا التحدي إلا مما يماثلها.
ما نراه اليوم أشبه بعودة العصر الأول، الحرب غير المتماثلة، حيث يعود الضعيف إلى استخدام ذكائه لا عضلاته، حيث صار تدمير دبابة ثمنها ملايين الدولارات بما لا يزيد على ألف دولار. المسألة ليست مجرد تكنولوجيا جديدة، بل فلسفة حرب بأكملها، تعيد تعريف معنى القوة، وتقلب المعادلات التي ظنناها ثابتة لعقود طويلة.
القلب النابض لهذا التحول، الطائرات المسيرة التي ليست مجرد سلاح جديد، بل حجر ضخم ألقاه الضعفاء في بركة القوى العظمى، فأحدث تموجات هزت قيعانها. لم تظهر المسيرات فجأة، كانت في بدايتها أدوات استطلاع بسيطة، تطورت لتصبح صواريخ موجهة يمكن التحكم بها عن بعد. لكن القفزة النوعية لم تتحقق إلا عندما أصبحت المسيرات رخيصة الثمن، سهلة التصنيع، ومتوفرة في الأسواق المدنية. هنا حدث الانقلاب، فلم تعد الدول بحاجة إلى صناعة عسكرية عملاقة لامتلاك سلاح مؤثر، صار بمقدور دولة متوسطة، أو حتى جماعة غير حكومية، أن تنتج أو تشتري أسرابا من هذه الطائرات التي تحمل رؤوسا متفجرة، وتشن بها هجمات دقيقة، أو موجات إرهاق للمنظومات الدفاعية التي تبلغ تكلفتها مئات الملايين.
التأمل في المشهد الأوكراني يروي لنا قصة هذا التحول بوضوح. بينما تمتلك روسيا أحد أكبر الترسانات العسكرية في العالم، وتسيطر على أجوائها بطائراتها المتفوقة، وجدت نفسها أمام عدو يستخدم مسيرات بحرية وجوية صغيرة لضرب عمق أراضيها، وإغراق سفنها، وتعطيل مطاراتها، واستنزاف دفاعاتها الجوية بصواريخها باهظة الثمن التي تضطر لإسقاط طائرات لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات. معادلة اقتصادية وعسكرية جديدة تحول فيها مفهوم النصر من تدمير العدو إلى إرباك حساباته، ومن السيطرة على الأرض إلى فرض حالة من التآكل المستمرعلى جيوشه.
إيران، بدورها قدمت نفس النموذج، فهي لا تمتلك تمتلك جيشا بقوة الجيش الأمريكي، لكنها استثمرت بعمق في فلسفة الردع غير المتماثل. فصنعت لنظامها شبكة من الوكلاء، ومنحتهم ترسانة من المسيرات والصواريخ الدقيقة، وخلقت معادلة جديدة في الشرق الأوسط، أن أي اعتداء على مصالحها يمكن أن يقابل بموجات من الهجمات المنخفضة التكلفة، التي يصعب التصدي لها بشكل كامل، والتي تكفي لإشعال المنطقة بأسرها. إنها لم ترغب في كسب حرب مباشرة مع أمريكا، لكنها راهنت على قدرتها على فرض معادلة الإرهاق، حيث يصبح احتفاظ أمريكا بقواعد عسكرية ضخمة في المنطقة عبئا لا طائل منه، وحيث تصبح حماية القوات الأمريكية مكلفة جدا، لدرجة تجعل الانسحاب أقل الخيارات إيلاما.
هذا التحول العميق في أدوات الحرب يقود إلى تحول جذري في موازين القوى، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على المستوى السياسي والاستراتيجي أيضا. اختفت أو على الأقل تراجعت تلك الهالة التي كانت تحيط بالقوى العظمى. لم تعد أمريكا ذلك العملاق الذي لا يلمس، ولا روسيا تلك القوة التي لا تنازع. الآن بإمكان دولة متوسطة أن تسبب أضرارا كبيرة، وأن تغير مسار الصراع، وأن تفرض شروطا على طاولة المفاوضات، دون أن تمتلك قدرة على التحدي المباشر في ساحات المواجهة التقليدية. هذا التغير يخلق حالة من الفوضى الاستراتيجية، حيث تختلط أوراق اللاعبين، وتصبح التوقعات أقل يقينا، وتظهر تحالفات جديدة غير مألوفة، تبحث كل دولة فيها عن الحماية من خطر الضعفاء الجدد.