الحروب بوصفها تحولات تاريخية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تتحدد ملامح التاريخ البشري على مر العصور من خلال الحروب. منذ الحضارات الأولى لم يعرف البشر تاريخهم إلا من خلال الغزو والدم والقتل. يذكر التاريخ مثلاً حروب مصر ضد الحيثيين وضد الهكسوس وبلاد بونت وغيرها. ويسجل للإسكندر الأكبر فتوحاته كصفحات لا بد لمن يريد معرفة التاريخ أن يقرأها ولا يمر عليها مرور الكرام. وأحياناً تكون هناك عدة حروب متتالية فتذكر كمجموعة، مثل حروب المائة عام وحرب السبعين وغيرها.


البشرية لا تكتب تاريخها بالأقلام وحدها، تكتبه أيضاً بالمدافع والسفن والجيوش. الحروب لم تكن مجرد صدامات عسكرية بين دول أو إمبراطوريات، كانت لحظات فاصلة يعاد خلالها تشكيل العالم وإعادة تعريف موازين القوة ومفاهيم الشرعية والنفوذ والهيمنة. صفحات التاريخ هي في الأساس محطات الحروب الكبرى أكثر منها محطات سلام طويل. إن السلام غالباً ما يكون امتداداً لنظام أفرزته حرب سابقة، فتأتي الحرب لتعلن انتهاء عصر وبداية عصر آخر جديد.
منذ الإمبراطوريات القديمة كانت الحروب الوسيلة التي تتحدد بها حدود الدول ومجالات النفوذ ومصائر الشعوب. لم تكن المعارك مجرد وقائع عسكرية، كانت محركات للتاريخ ذاته. كل انتصار كبير كان يصنع خريطة جديدة، كل هزيمة كبرى تطيح بنظام قديم وتفتح الباب أمام نظام وعصر جديدين.


عندما اجتاح نابليون بونابرت أوروبا في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن الحروب النابليونية مجرد حملة توسعية فرنسية، كانت زلزالاً سياسياً وفكرياً أطاح بترتيبات القرون السابقة. أسقطت تلك الحروب بقايا النظام الإقطاعي في أوروبا، أطلقت أفكار القومية والدولة الحديثة، أعادت رسم الخريطة الأوروبية في مؤتمر فيينا الشهير. وما زالت آثارها ممتدة إلى اليوم في بنية الدولة الأوروبية الحديثة وفي مفاهيم السيادة والقانون والإدارة.


جاءت الحرب العالمية الأولى لتقضي على إمبراطوريات عمرها قرون. سقطت الإمبراطورية العثمانية، تفككت الإمبراطوريتان النمساوية المجرية والقيصرية الروسية، ظهرت دول جديدة وحدود جديدة. لم يكن الشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم بعيداً عن نتائج تلك الحرب، خرجت من رحمها خرائط واتفاقيات وترتيبات ما زالت تلقي بظلالها على المنطقة بعد أكثر من قرن.


الحرب العالمية الثانية كانت التحول التاريخي الأعظم في القرن العشرين. بعدها لم يتغير ميزان القوى فحسب، بل تغير تعريف ومفهوم القوة ذاته. خرجت أوروبا من مركز العالم الذي احتلته قروناً طويلة، وصعدت أمريكا والاتحاد السوفيتي كقطبين للنظام الدولي بعد الحرب. من بين أنقاض الحرب ولدت الأمم المتحدة، بدأ عصر الردع النووي، وانطلقت موجة التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا. كان العالم بعد عام 1945 مختلفاً جذرياً عن عالم ما قبل الحرب.


في منطقتنا العربية مثلت حرب السويس عام 1956 لحظة تحول لا تقل أهمية في نطاقها الإقليمي. هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة بين مصر من جهة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل من جهة أخرى، بل إعلاناً تاريخياً عن أفول عصر الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية وصعود حركات التحرر الوطني. منذ ذلك التاريخ بدأت ملامح الشرق الأوسط الجديد تتشكل على أسس مختلفة عما عرفته المنطقة في النصف الأول من القرن العشرين. فهل يمكن أن تتحول المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى لحظة تاريخية مماثلة تنتج نظاماً جديداً في الشرق الأوسط وربما في العالم؟


التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها. الحروب الكبرى التي صنعت التحولات التاريخية لم تكن مجرد عمليات عسكرية محدودة، كانت تعبيراً عن انتقال عميق في موازين القوة العالمية. الحرب العالمية الثانية لم تكن مهمة عسكرية ضد دولة بعينها، كانت صراعاً على قيادة العالم. والحروب النابليونية لم تكن نزاعاً حدودياً، بل مواجهة بين نظامين سياسيين وحضاريين مختلفين؛ نموذج للماضي وآخر للمستقبل.


ومع ذلك فالمواجهة الأمريكية الإيرانية تحمل بعض ملامح اللحظة التحولية. فهي تجري في لحظة يشهد فيها النظام الدولي اهتزازاً واضحاً للهيمنة الأمريكية المنفردة التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة. كما أنها تقع في منطقة تمثل قلب الطاقة العالمية ومفترق طرق التجارة الدولية ومسرحاً لتنافس القوى الكبرى.

إذا انتهت هذه المواجهة إلى إعادة صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط، وتقليص نفوذ قوى إقليمية وصعود أخرى، وإعادة ترتيب التحالفات الأمنية والعسكرية، فإنها قد تصبح بالفعل نقطة تحول تاريخية. أما إذا بقيت نتائجها دون تغيير جوهري في البنية الإقليمية والدولية، فإنها ستنضم إلى قائمة طويلة من الأزمات التي أحدثت ضجيجاً سياسياً دون أن تؤسس لعصر جديد.


المؤرخون لا يقيسون أهمية الحروب بعدد الصواريخ التي أطلقت أو المدن التي قصفت، إنما بحجم التغيير الذي تتركه خلفها. الحرب التي تصنع تاريخاً جديداً هي تلك التي تغير خرائط النفوذ، تعيد تعريف مراكز القوة، وتنتج قواعد جديدة للعلاقات الدولية. لهذا فإن الحكم على الحرب الأمريكية الإيرانية لا يتوقف على ما جرى في ساحات القتال، بل على العالم الذي ستنتجه بعدها.


ربما يكون الشرق الأوسط على أعتاب تحول كبير، وربما يكون العالم كله بصدد الانتقال التدريجي من مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي إلى مرحلة أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة. إذا ثبت أن هذه الحرب كانت إحدى محطات هذا الانتقال، فسوف يكتبها المؤرخون بعد سنوات بوصفها أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، سيكتبونها بوصفها علامة على نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة أخرى.


تبقى الحروب رغم كل ما تحمله من مآسٍ ودمار، من أكثر الظواهر قدرة على كشف اتجاه حركة التاريخ. فهي ليست فقط مرآة لموازين القوى القائمة، بل في كثير من الأحيان الأداة التي يعاد بها تشكيل تلك الموازين نفسها. من هنا جاء ارتباط التاريخ بالحروب عبر العصور.