باحث في التراث الثقافي: مواكب القاهرة بلغت ذروة فخامتها بالعصر المملوكي

كتب: عبده أبوغنيمة

باحث في التراث الثقافي: مواكب القاهرة بلغت ذروة فخامتها بالعصر المملوكي

باحث في التراث الثقافي: مواكب القاهرة بلغت ذروة فخامتها بالعصر المملوكي

نظمت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، ندوة بعنوان «مواكب القاهرة.. رحلة في تراث الاحتفالات المصرية»، قدمها محمد مندور الكاتب والباحث في التراث الثقافي ومستشار وزير الثقافة الأسبق، وذلك في قصر الأمير طاز بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية.

شهدت الندوة حضور نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين في التاريخ والآثار والتراث، إلى جانب عدد من طلاب الجامعات والمهتمين بالثقافة المصرية. تناولت الندوة تطور المواكب والاحتفالات في مصر بوصفها أحد أبرز عناصر الهوية الحضارية المصرية عبر العصور.

عرض علمي مدعوم بالصور التاريخية


استعرض محمد مندور من خلال عرض علمي مدعوم بالصور التاريخية والمخطوطات والمواد الوثائقية، تطور مفهوم الموكب منذ الحضارة المصرية القديمة، إذ بدأت المواكب الدينية الكبرى مثل مواكب عيد الأوبت التي كانت تنطلق فيها البوارق المقدسة حاملة تماثيل الآلهة من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر وسط احتفالات شعبية ضخمة، عكست العلاقة الوثيقة بين الدين والدولة والمجتمع في مصر القديمة.

كما تناولت الندوة تطور المواكب في العصرين اليوناني والروماني، قبل أن تنتقل إلى العصر الإسلامي، الذي شهد ازدهارًا كبيرًا للمواكب الرسمية، خاصة في العصر الفاطمي، حيث أصبحت القاهرة مدينة للمواكب والاحتفالات، وشهدت خروج الخلفاء في مواكب مهيبة اتسمت بالتنظيم الدقيق، ورفع الأعلام والرايات، وحمل المظلات السلطانية، ومشاركة فرق الفرسان والطبول والكوسات، مستعرضة أوصاف المؤرخين، وفي مقدمتهم المقريزي وابن الطوير والمسبحي، لهذه المواكب التي عُدت من أبهى مواكب العالم الإسلامي.


وتوقف محمد مندور عند العصر المملوكي، الذي بلغت فيه المواكب ذروة فخامتها، خاصة في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، إذ تحولت إلى أداة لإظهار قوة الدولة وهيبتها، وشملت مواكب الأعياد، واستقبال السفراء، والانتصارات العسكرية، وموكب المحمل المصري الذي كان يحمل كسوة الكعبة المشرفة إلى الأراضي المقدسة، فضلًا عن مواكب فتح الخليج التي كانت تمثل أحد أهم الاحتفالات الشعبية المرتبطة بنهر النيل.


كما تناولت الندوة المواكب الشعبية والدينية في مصر، مثل مواكب الطرق الصوفية، وموكب سيدي أبو الحجاج بالأقصر، ومواكب موالد ال البيت إلى جانب المواكب الكنسية، وعلى رأسها مواكب الاحتفال بعيد السيدة العذراء، مؤكدا أن هذه الاحتفالات تمثل امتدادًا حيًا لتقاليد مصرية ضاربة في القدم، حافظت على كثير من عناصرها الرمزية والتنظيمية رغم تغير الأزمنة.

تشكيل هوية المواكب المصرية


وأبرزت الندوة الدور الذي لعبته الأعلام والرايات والبوارق المقدسة في تشكيل هوية المواكب المصرية، موضحةً تطورها من المراكب المقدسة التي حملت تماثيل الآلهة في مصر القديمة، إلى الرايات الفاطمية والمملوكية، ثم الأعلام التي أصبحت رمزًا للمؤسسات الدينية والعسكرية والوطنية في العصر الحديث، مع استعراض دلالاتها الفنية والرمزية في مختلف الفترات التاريخية.


كما سلط محمد مندور الضوء على عدد من المواكب التاريخية التي شهدتها مصر في العصر الحديث، وفي مقدمتها موكب المومياوات الملكية واحتفالية افتتاح طريق الكباش، موضحا كيف نجحت الدولة المصرية في إعادة إحياء التراث الاحتفالي القديم برؤية معاصرة، حظيت بإشادة عالمية، وأعادت تقديم الحضارة المصرية إلى العالم في صورة تليق بعراقتها.


وشهدت الندوة عرضًا لمجموعة كبيرة من مخطوطات ومنمنمات نادرة من مصر والعالم الإسلامي، وصور أرشيفية ووثائقية للمواكب الدينية والشعبية، فضلًا عن مقاطع من أفلام وثائقية تناولت المواكب الفرعونية والصوفية، بما أتاح للحضور مقارنة بصرية بين أشكال المواكب عبر العصور.


وفي ختام الندوة، شهد اللقاء نقاشًا تفاعليًا موسعًا مع الحضور، الذين طرحوا العديد من الأسئلة حول أوجه التشابه بين المواكب المصرية القديمة والاحتفالات الشعبية المعاصرة، وأهمية توثيق التراث غير المادي، والحفاظ على الموالد والمواكب بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المصرية. كما أكد محمد مندور أن مصر تمتلك أحد أقدم تقاليد المواكب والاحتفالات في العالم، وأن هذا التراث الممتد لأكثر من خمسة آلاف عام يعكس استمرارية الحضارة المصرية وقدرتها على الحفاظ على ملامحها الثقافية عبر مختلف العصور.