الشفرة العصية

لا تزال ثورة الثلاثين من يونيو المجيدة وستظل إلى يوم الدين حدثاً مبهراً يعكس صورة المواطن المصرى الذي قهر قوة عاتية في ساعات معدودة وأفشل بذلك مخططاً بدأ في عشرينات القرن الماضى.. فقد أسست بريطانيا التي كانت عظمى تنظيم الإخوان المسلمين، ليس لنشر الدين الإسلامى الحنيف ولا قيمه الرفيعة، بل كان الهدف المعلن هو «فرِّق تسد».

واتضح هذا الهدف بأجلى صوره خلال السنة السوداء التي حكمت فيها جماعة الإخوان وأفصحت عن طبيعة مهمتها، بدءاً من «سنقتلكم» حتى «سنلقى بجثثكم إلى الكلاب».

وفي خط موازٍ كان هؤلاء يمارسون أقصى درجات الإرهاب ضد مؤسسات الدولة من جهة، ومحاولات تفتيت النسيج الوطنى، بين المسلمين والأقباط، إضافة إلى قتل مسئولين وتخريب المؤسسات المدنية والكنائس وكل أنواع الإرهاب بكافة السبل، من جهة أخرى.

وهو ما رفضه المصرى مسلماً أو قبطياً، فناناً أو موظفاً، عاملاً أو مهندساً، لكن دون الدخول في صراع مسلح كما كان ينتظر هؤلاء بممارسة كافة الاعتداءات المقصودة، مثل إحراق المجمع العلمى المصرى لمحو مراجع علمية وتاريخية للمصريين، كما كانوا على وشك تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء إضافة إلى أوجه عديدة أخرى لتفتيت الوطن الذي يعتبرونه حفنة من التراب العفن.

وعندما فاض الكيل، دقت قلوب عشرات الملايين دقة واحدة ونزلوا إلى الشوارع، في نفس الثانية دون تعليمات إلا من قلوبهم وشاورت القلوب على المشير عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع آنذاك وابن القوات المسلحة الباسلة التي كان يستحيل أن تقف في موقع المتفرج على تفتيت المحروسة، الدقائق التي تحدث فيها السيسى إلى الجماهير، قبل أن يعرف الكثيرون اسمه، كانت لحظة الانطلاق إلى الشوارع دون أدنى توجيه إلا من القلوب في أكبر تجمع بشرى في التاريخ، حيث سجلت وكالات الأنباء أن عدد من نزلوا إلى الشوارع في الثلاثين من يونيو عام 2013 يتراوح ما بين 35 مليوناً و40 مليون مواطن من كل الأعمار كما حصل معى حيث كنا في الشارع، ابنى وحفيدى وأنا.

وقد أذهل هذا الحشد الشعبى الهائل العالم بأسره، فالعملاء فقدوا رشدهم، إذ لم ينزل إلى الشارع ولو بضعة آلاف يعربون عن مساندتهم لجماعة الإخوان، وفي ذات الوقت بُهت الممولون أمام مشهد كانوا يتوهمون استحالة حدوثه بعد نحو قرن من التخريب والشائعات وحمل المواطنين على الكفر بالحفاظ على وحدة أراضى الوطن.

أي إن ثورة يونيو أفشلت المخطط المعادى فشلاً ذريعاً حتى تحقق الأعداء، في الداخل والخارج، أن الشفرة المصرية عصية على اختراقها، أياً كانت المخططات والتمويلات، فقد شاهد الجميع، العدو والصديق، أن من شاركوا في يونيو المجيدة، كانوا مصريين، فقط مصريين، يستحيل أن تفرق بينهم، بين مسلم وقبطي، بين شيعي وسني، بين ثري وفقير.

إنه نسيج خاص بأرض الكنانة التي حباها الله بخير أجناد الأرض وبشعب يفديها بروحه، فأرسل لها زعيماً، هو هديته لها، يقدم جديداً في كل يوم لكي تستعيد مكانها ومكانتها، كما نلمس بأنفسنا كل يوم.. وكل ثلاثين يونيو ومصر بشعبها وجيشها وشرطتها وقائدها بألف ألف خير.