ثورة 30 يونيو بين ضرورة الاحتفاء وحتمية البناء (3)
الاحتفال بذكرى 30 يونيو لا يعنى تجاهل المشكلات أو التغاضى عن التحديات، بل يعنى إدراك الفارق بين دولة تواجه صعوبات وتسعى إلى تجاوزها، ودولة كانت مهددة بالضياع والتفكك.
ويعنى الاحتفال أيضاً استحضار الدرس الأهم الذى قدمته الثورة، وهو أن الشعوب القادرة على الدفاع عن هويتها ووطنها هى نفسها التى تستطيع مواجهة الأزمات وتحقيق التقدم. أثبتت ثورة 30 يونيو أن مصر أكبر من أى جماعة، وأقوى من أى مشروع يسعى إلى احتكار الوطن أو اختزال هويته، وأن الشعب المصرى يمتلك من الوعى ما يمكنه من تصحيح المسار عندما يشعر بأن دولته تتعرض للخطر، ولذلك ستظل هذه الثورة علامة فارقة فى التاريخ الوطنى، ورمزاً لقدرة المصريين على حماية وطنهم والدفاع عن مستقبلهم.
نعم، سنحتفل بذكرى ثورة 30 يونيو، ليس باعتبارها ذكرى عابرة، وإنما باعتبارها يوماً استعاد فيه المصريون دولتهم، وحافظوا على حضارتهم، وأنقذوا هويتهم الوطنية من مشروع كان سيعيد البلاد قروناً إلى الوراء. سنحتفل بها وفاءً لتضحيات الملايين الذين خرجوا دفاعاً عن وطنهم، وإيماناً بأن الحفاظ على الدولة الوطنية هو الشرط الأول لأى تنمية وأى إصلاح وأى مستقبل أفضل.
وبناء الأوطان لا يتم فقط بالمشروعات والإنجازات الاقتصادية، وإنما تُبنى أولاً بالحفاظ على وجودها وهويتها واستقرارها.
وثورة 30 يونيو كانت، وستبقى، لحظة الإنقاذ الكبرى التى حافظت على مصر للمصريين، وفتحت الطريق أمام استمرار الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
إن الإجابة عن سؤال «هل سنحتفل بذكرى 30 يونيو؟» لا يمكن أن تكون سوى: نعم، ونقولها بكل فخر واعتزاز. ولكن هذا الاحتفال يجب أن يكون احتفالاً بالمعنى الأعمق لها يجب أن يكون احتفالاً بإرادة شعب لم يستسلم، وبوطن استعاد مكانته بين الأمم، وبحلم المصريين فى غدٍ أفضل.
علينا أن ننظر إلى هذا اليوم ليس كذكرى عابرة، بل كمحطة أساسية فى مسيرة طويلة من البناء والتحديث، وأن ندرك أن الطريق أمامنا لا يزال طويلاً، وأن التحديات التى نواجهها اليوم هى جزء من مسيرة الكفاح الوطنى.
من حق المواطن أن ينتظر من ثورته أن تحقق له حياة كريمة، وهذا هو الهدف الأسمى الذى يجب أن تتجه إليه كل الجهود.
ولكن من واجبه أيضاً أن يتذكر أن هذه الثورة كانت شرطاً أساسياً لاستمرار وجوده كمواطن فى دولة مستقلة ذات سيادة، وأن الأعباء التى يحملها اليوم هى أعباء البناء، وليست أعباء الهدم والانهيار.
فلنحتفل بثورتنا، ولنتذكر دائماً أن لولاها، لكنا اليوم فى حالٍ أخرى، وكنا نبحث عن حقنا فى الحياة ذاتها قبل أن نبحث عن حقنا فى معيشة لائقة.
ستبقى ثورة 30 يونيو محفورة فى وجدان المصريين، وستظل هذه الذكرى نابضة فى قلوبهم، مهما تعاقبت السنوات وتغيرت الظروف، فهى ليست مجرد يوم فى التقويم، بل هى روح مصر التى لا تموت، وصوت شعبٍ قال كلمته بحسم وفى الوقت المناسب.
تبقى ثورة 30 يونيو علامة فارقة فى تاريخ مصر، ليس لأنها صححت المسار، بل لأنها جسدت إرادة شعب بأكمله رفض الانكسار.
إن الاحتفال بهذه الذكرى ليس استذكاراً لماضٍ، لكنه تجديد للعهد على حماية المكتسبات وصون الهوية.
إنها رسالة إلى العالم بأن مصر دولة قوية بشعبها، وأنّ دماء الشهداء ووعى المواطنين صنعا ملحمة بطولية غيّرت وجه التاريخ.
سنحتفل بثورتنا كدرس للأجيال القادمة، وكحجر زاوية فى بناء مستقبل أكثر إشراقاً، يليق بعظمة بلدنا وتضحيات أبنائه.