«سارة».. ليست الأولى ولا الأخيرة!
مثل معظم الرجال الذين ينفصلون عن زوجاتهم بالطلاق، وينفصلون أيضاً عن أبنائهم وعن حياتهم الماضية، ويتركون مسئولياتهم وراء ظهورهم، فعل طليق السيدة سارة رشاد.
هذه السيدة كانت مثار انتباه ودهشة الكثير من الناس على مدى الأيام الماضية، بعد أن نُشرت صورتها على دراجة نارية لتوصيل الطلبات، وقد اصطحبت أمامها وخلفها طفلتين فى عمر الزهور، «ريم» خمس سنوات، و«ريتال» أربع سنوات، طفلتين تبارك الله فى جمالهما وجمال أمهما التى يحمل وجهها من علامات الرقى ما يفسر لنا تجربتها القاسية والجديدة على مجتمعنا، ومن الواضح أن الأم تعتنى بهما عناية فائقة، فملابسهما جميلة ونظيفة ومرتبة، وكذلك الأم التى بدت فى صورة محترمة وجيدة، وهى تقول إنها تعمل لإعالة ابنتيها بعد أن تركهما الأب بلا أى رعاية أو اهتمام، وحتى من قبل أن يقع الطلاق الرسمى منذ عام ونصف العام، فقد توقف تماماً عن الصرف عليهم.
اضطرت هذه السيدة إلى شراء الدراجة النارية بالتقسيط، وعليها أن تسدد أقساطها، إضافة إلى مصاريف السكن والتعليم والملبس والعلاج والطعام وغيرها من الضرورات، وقد اختارت هذا العمل حتى تتمكن من التحكم فى وقتها بما لا يؤثر على وجودها مع ابنتيها، حيث تضطر أحيانا لاصطحابهما خاصة فى الإجازات وعدم وجود من يرعاهما أحياناً نيابة عنها، كما أنها لا تملك ما يتوفر لديها من مال لتتمكن من إقامة دعاوى قضائية للحصول على حقوق ابنتيها من والدهما، فآثرت أن تعمل على توفير احتياجات ابنتيها على أن تتجه إلى الحصول على حقوقهما عن طريق التقاضى.
بالطبع ليست السيدة الفاضلة المحترمة سارة رشاد التى لا تزال فى الثانية والثلاثين من عمرها، هى أول ولا آخر سيدة تحصل على الطلاق ثم يختفى والد أبنائها فتسمح له رجولته الظاهريّة وليست الأخلاقية بترك فلذات أكباده دون مصدر دخل أو توفير حد أدنى من حياة مستقرة لأبنائه، وليست هى أول ولا آخر سيدة تضطرها ظروف الحياة للإقدام على العمل الشاق وربما الخطر لتقوم بدور الأم والأب معاً، وليست هى أول ولا آخر سيدة تترك حقوقها لأن مصاريف التقاضى وأتعاب المحاماة فوق طاقتها.
فإذا ما علمنا أن هناك مئات الآلاف مثلها وربما أكثر، فهذا يعنى أن خللاً اجتماعياً نحن بصدده، وأصبح من الواجب ليس فقط على مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية إيجاد حل لهذه الأزمة التى تؤثر سلباً على ملايين الأطفال، الذين يعانون من انفصال الأب والأم من ناحية، ومشقة الحياة من ناحية أخرى.
ولكن أيضاً على الأسر التى تعين أبناءها على ظلم أطفالهم وأمهاتهم فلا تسريح بإحسان ولا تفريق بمعروف، ولا يقولون قولة حق بأن الله لن يرضى عن هذا الظلم.
لقد أصبح من النادر بل يكاد يكون من المستحيل أن يفترق الزوجان دون انتهاكات وصراعات وإساءات تطال كل شىء، لكن المؤسف حقاً أن الأمهات والآباء والكبار فى العائلات فهم إما يزيدون النار اشتعالاً، أو يؤثرون السلامة والصمت وكأن الأمر لا يعنيهم ولا يعنى أحفادهم الذين هم الضحية الأولى لكل ما يحدث، كل هذا وهؤلاء الآباء والأمهات الكبار فى عمر تقترب فيه نهاية الرحلة التى سيلقون فيها وجه الله تعالى، فكيف لهم أن يلقوه وقد شاركوا وساعدوا على ظلم؟ كيف لا يحاولون ويحاولون؟ إما الإصلاح أو الفراق بالمعروف والرحمة.
هذه المشكلة المعقدة التى تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ومع اختلاط المفاهيم وانهيار الأخلاق، لم تصبح مشكلة تشريع أو تنفيذ أو قوانين، لكنها أصبحت مشكلة ضمائر ابتعدت عن دينها وعما يحبه الله ورسوله.