أغنية بألف منشور
سأتحدث عن أغنية ليست مصرية، وسأشير إلى دولة غير مصر، لكنها تجربة أريد أن نقرأ عنها وأن نستوعبها ونستفيد منها.
انتشرت خلال الأسابيع الماضية تلك الأغنية العاطفية ذات الكلمات البسيطة واللحن المنغم وأداء مطربة شابة ذات صوت معبر.
حفلت منصات التواصل الاجتماعي بالأغنية التي صار الشبان والفتيات يقلدون المطربة الشابة في غنائها ومنهم نسبة كبيرة من مصر.
صارت فتيات وسيدات يقلدن غناء المطربة، بل صارت مجموعات شابة تغنيها بصوت جماعي. ظاهرة لافتة، لكن ما يهمني في هذا المقال، أن دولة جارة استفادت من الأغنية في الترويج لبلدانها ومناطقها السياحية.
كلمات الأغنية ليست عربية، لكن تم ترجمتها وتركيبها بالعربية، فصارت أسهل على من يغنيها في مصر أو في الدول العربية، الكلمات والأغنية لشعب، بينما دولة أخرى استغلتها سياحياً.
صرنا نشاهد في الفيديوهات صوراً لمناطق جميلة في الدولة السياحية مصاحبة للأغنية، فتم الربط بين الأغنية والمكان، ما ضاعف أثر الإعلان عن تلك المناطق السياحية العريقة في الدولة الجارة.
ألفت الانتباه إلى أن مجرد أغنية بسيطة لا تكلف كثيرا ولا تحتاج إلى برامج وفرق تخطيط، كانت أداة فعالة للترويج السياحي، صارت قوة ناعمة، أثرت في ملايين الشبان والفتيات، والسيدات والرجال، صار كل منهم يحلم بزيارة الدولة السياحية التي برع خبراؤها في تقديمها في صورة جميلة، تجمع بين الآثار الإسلامية والعراقة التاريخية وبين الطابع الأوروبي في النظافة والنظام.
المؤكد أن كل مواطن عربي سيسعى حثيثاً لاقتناص أي فرصة للسفر إلى تلك الدولة، فالصورة الذهنية الآن للدولة السياحية مرافقة وملازمة لصورة المطربة وصوتها وأدائها.
قد يعتقد البعض أنه سيجد المطربة تنتظره في شوارع تلك المدينة أو غيرها.
تتنوع وتتعدد عناصر القوة الناعمة، التي صار الخبراء المحترفون يعرفون كيفية توظيف تلك العناصر لترسيخ مكانة بلادهم وتعظيم عوائدها، ومنها الفن عموماً والأغنية خاصة.
هذا يذكرنا بأم كلثوم التي كان العرب من الخليج إلى المحيط يجتمعون حولها وصوتها يصدح عبر الراديو في الخميس الأول من كل شهر، ولم يجتمع العرب إلا على أم كلثوم، فكانت قوة ناعمة هائلة لمصر في تلك الفترة.
منذ سنوات غزت القوة الناعمة لدولة جارة الدول العربية بالمسلسلات العصرية والتاريخية ومن خلال موضوعات أثرت كثيراً في أفراد العائلات خاصة في دول الخليج العربي المتعطشة لمثل تلك الدراما، ومن خلال هذا التأثير زادت الاستثمارات في تلك الدولة، بل واستقر فيها كبار القادة من تلك الدول وكبار رجال الأعمال.
نحن قادرون في مصر على تعظيم قوتنا الناعمة ومضاعفتها، فالمستقبل لا يقصر القوة على عناصرها العسكرية أو الاقتصادية فحسب.