كانيولا الامتحانات
في درجة حرارة تفوق الأربعين، ومن بين وجوه عديدة بدت لي شاحبة للغاية، توقفت عند تلك اليد التي امتدت لتلتقط وردة حمراء، من الأساتذة الواقفين قبالة باب المدرسة، بينما تبدو «كانيولا طبية» واضحة للغاية بها، يد لفتاة قضت ليلتها في المستشفى يحقنون جسدها بالمحاليل لتصمد في اليوم التالي ربما يمر بسلام.
واحدة من بين أيادٍ عديدة في طابور طويل لفتيات قررن ارتداء اللون الأسود حداداً على زميلتهن جنى، حزن لم يبدُ مختلفاً على وجوه الأساتذة الذين قاموا بتوزيع ورود حمراء وزجاجات مياه معدنية على الفتيات، ولا أدري حقاً مَن صاحب الفكرة العبقرية، لكنها بالتأكيد -في رأيي- ستعمل بشكل جيد، وسط الموج الأسود الذي تدفق نحو اللجنة، ربما يجدي لون حاد وواضح وقوي كاللون الأحمر، ليخبر الجميع بأن الأمر ليس بهذه القتامة، وأن جنى الجميلة التي أصابها هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف بعضلة القلب عقب بدء امتحانها الأول في الثانوية العامة، ربما لم تكن لتلاقي ذلك المصير لو أنها كانت أقل روعاً وهلعاً، صحيح أن الأعمار بيد الله، وأنه لا يغير حذر من قدر، لكنني أعلم أيضاً كيف يبدو القلب حين يخاف، وكيف يستجيب الجسد حين يبدأ الهلع، ينتهي كل شيء، إرادياً بيد صاحبه، أو لا إرادياً فيفعلها الجسد نيابة عنه.
عينان تضحكان من دون كلمات، ووجه أسمر جميل لشاب يبدو أن المستقبل أمامه بالكامل، لكنه اختار أن ينهي حياته بيده، باستخدام حبة غلة، لا أكاد أنظر إلى صورة سعيد عبدالوهاب بدير، ذي العينين العسليتين والقلب الذي لا يحتمل اللوم، حتى يصيبني ألم عميق بقلبي، هذا الشاب «الذي يفرح القلب» قرر أن الحياة بالكامل في كفة، وشهادة الإعدادية في كفة، هكذا وصل به الأمر، تماماً كما وصل بآلاف غيره، أكتب هذا وأنا أضع يدي على قلبي خوفاً على مَن قد نودعهم حين تظهر نتيجة الثانوية العامة؟ أرجو أن يخيب ظني!
بين عائلات تؤكد أنها لم تعد تهدد أو تتوعد بشيء، وبين طلاب يرون في امتحان يفترض أنه لقياس المستوى والحصول على مزيد من الفرص للتحسين، نهاية الحياة بالكامل، فجوة ضخمة حاول باحثون العثور على إجابة لها بالبحث خلف الضغوط النفسية التي تتسبب فيها الامتحانات، ليكتشفوا أن الطالبات كن أكثر عرضة للإجهاد المرتبط بالامتحانات، مقارنة ببعض الطلاب، وأن نظام التقديرات الذي يعتمد على درجات رفع مستوى الضغط لدى الطلاب، وأن ثمة عوامل متكررة من شأنها أن تزيد ضغط الامتحانات للدرجة التي قد تمرض أو ربما تقتل، أهمها كثافة المنهج، وضيق الوقت للمراجعة، والتوقعات العالية من النفس، وكذلك طول فترة الامتحانات، ونقص الاستعداد، وقلة ممارسة الرياضة، وضغط المعرفة بطرق التعامل مع القلق.
لعل الأمر الأكثر لفتاً للنظر كان ما أشارت إليه الدراسة عن أن القلق يبلغ ذروته قبل الامتحان بحوالي عشر دقائق ثم يبدأ في الانخفاض تدريجياً بمجرد بدء الامتحان، أقرأ نتائج الدراسة التي جاءت بعنوان «العلاقة بين التقييمات الأكاديمية والضيق النفسي لدى طلاب الطب» التي تعد من أهم المراجعات المنهجية في مجال الامتحانات، وأتذكر لفتة المياه والورد، ليس ذلك مجرد أمر عابر، أتخيل وجه الطالبات في الدقائق الـ10 الأكثر قسوة قبل الامتحانات وهن يتأملن الوردة الجميلة، أو ربما يتشممن رائحتها قبل أن يودعنها في حقائبهن استعداداً لدخول الامتحان، أتساءل عن بعض اللفتات اللطيفة، والمعاملة الهادئة، والكلام المشجع وأيضاً المطمئن الذي يبدو أن ملايين الطلبة بحاجة ماسة له الآن، ذلك التطمين بأن قيمته لا يحددها امتحان، وأن محبته لن تتأثر بدرجة زادت أو قلت، وأن مكانته في قلوب والديه وعائلته أكبر من أي اختبار.