وتبقى معركة الوعي
قدّمت الدولة المصرية منذ ثورة 30 يونيو تجربة رائدة في مواجهة التطرّف والإرهاب، أصبحت محل تقدير واهتمام على المستويين الإقليمي والدولي، لأنها لم تعتمد على المواجهة الأمنية وحدها، وإنما تبنّت رؤية شاملة أدركت أن الإرهاب ظاهرة معقّدة، لا يمكن القضاء عليها إلا من خلال تكامل الجهود الأمنية والفكرية والثقافية والتنموية.
وقد عكست التجربة المصرية استراتيجية متوازنة قامت على ترسيخ قيم الدولة الوطنية، وتعزيز الشراكة بين مؤسساتها، ونشر ثقافة الاعتدال، والانفتاح على العالم، مع رفض كل صور العنف والكراهية والصراع، وقد أثبتت مصر بعد ثورة الثلاثين من يونيو، قدرتها على الانتصار على جماعات التطرّف والإرهاب، ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة جهد مؤسسة بعينها، وإنما جاء نتيجة تلاحم الشعب مع مؤسسات الدولة.
غير أن التطرّف ليس ظاهرة تنتهي بالقضاء على التنظيمات الإرهابية، بل هو فكر تظل مواجهته مسئولية مستمرة، تحتاج إلى يقظة دائمة وتجديد متواصل للأدوات والوسائل، فالعمل الإرهابي لا ينشأ من فراغ، وإنما تقف وراءه منظومة من الأفكار المنحرفة التي تمنحه الغطاء الأيديولوجي، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالتهميش الاقتصادي والاجتماع، ومحاولات استغلال الدين لتحقيق أهداف ضيقة، فضلاً عن الأزمات النفسية وحملات التضليل التي تستهدف الشباب عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل المختلفة.
ومن هنا تبرز عدة رسائل ينبغي التوقف عندها، معركة الوعي، فمن الخطأ أن نترك الساحة خالية أمام دعاة التطرّف، فيقدموا أنفسهم ممثلين للإسلام، بينما الإسلام منهم براء، ومن واجب العلماء والمفكرين والمؤسسات الثقافية أن يكونوا حاضرين في مختلف المنابر الدولية، يقدّمون الصورة الحقيقية للدين، القائمة على الرحمة والعدل واحترام الإنسان.
والرسالة الثانية أن الإسلام الصحيح، بفهمه الوسطي الرشيد، قادر على محاصرة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وهو ما يقتضي دعم تيار الاعتدال في المدارس والجامعات، والاهتمام بالمناهج التعليمية، وبناء الحواضن التربوية التي تصنع جيلاً واعياً، يجمع بين الاعتزاز بدينه والانفتاح على العالم.
أما الرسالة الثالثة فتؤكد مسئولية وسائل الإعلام والمؤسسات المختلفة في إبراز الأصوات العلمية المعتدلة، وعدم منح دعاة الغلو مساحة تمكنهم من احتكار الحديث باسم الدين، فترجيح صوت الاعتدال يسهم في تصحيح الصورة، ويُعزّز فرص التعايش والسلام.
وتتمثل الرسالة الرابعة في أهمية الاستثمار في الشباب، وتشجيع برامج الحوار، وتبادل المعرفة، والانفتاح الثقافي بين شباب العالم، لأن التعارف الحقيقي يهدم الصور النمطية، ويؤسس لجيل جديد يؤمن بالتعاون بدلاً من الصراع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
أما الرسالة الخامسة فتؤكد وجاهة التحذيرات المتكرّرة التي أطلقتها الدولة المصرية من اتساع دوائر الصراع في العالم، فالتجارب أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً دائماً، وأن الاحتلال والبطش وسياسات الإقصاء لا تنتج إلا مزيداً من العنف والكراهية، وحين تتراجع لغة السلاح، وتتقدم لغة الحوار، يصبح الطريق ممهداً أمام التنمية، وتبادل المعرفة، وترسيخ قيم التسامح والتعاون بين الشعوب.
وفي النهاية، فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى استراتيجية دولية متكاملة لمواجهة التطرّف تقوم على التواصل الحضاري، واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية، وتعزيز التعاون بين الدول والمؤسسات العلمية والدينية والثقافية، إيماناً بأن الأمن الفكري هو الأساس الذي يبنى عليه الأمن المجتمعي، وأن الانتصار الحقيقي على التطرف يبدأ ببناء الإنسان، وحماية وعيه، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والسلام، وتبقى معركة الوعي.