الاستغناء عن المدارس والمعلمين
يوم بعد يوم يزداد اعتماد الإنسان على الآلة حتى في مجال التعليم . فالشركات مثلا , صارت تخصص بعض أيام الأسبوع ليعمل الموظفون من منازلهم . هذا التوجه يوفر الكثير لجميع الأطراف , فالموظف يمارس عمله بدون توتير أو اللهاث للحاق بوسائل المواصلات , كما أنه لا يستهلك ملابسه أو يضطر لتناول الطعام خارج المنزل بما يكلفه بعض المال . الشركات أيضا توفر في استهلاك الطاقة واستخدام مرافقها وتوفر حافلاتها التي تحتاج إلى استخدامها في الظروف العادية . قد لا ينطبق هذا النظام او قد لا يتفق هذا الأسلوب مع كل الشركات أو في كل المجالات , لكن الظاهرة موجودة وصارت تتزايد من خلال توليف الشركات ظروفها لتحقيق نسبة توفير .
أما في التعليم فالأمر يعيدنا إلى البدايات حيث كان التعليم في البيوت , فقد عرف الناس المدارس بعدما زاد عدد السكان وبعدما صارت هناك خطط لتعليم أكبر عدد ممكن من الأبناء وتم دمج السياسة التعليمية في خطط التنمية للدول . أدى ذلك إلى بناء المدارس والجامعات وتعدد مسارات التعليم ومجالاته . فإذا أراد أحدهم أن يتعلم مهارة ما أو خبرة ما فإنه يتوجه إلى المعاهد التعليمية سواء كان ذلك لكي يتخرج في جامعة ما ليعمل في وظيفة أو لكي يتعلم خبرة خاصة به مثل تعلم الموسيقى او الترجمة أو التمثيل أو النقد .
كل ذلك تغير بعدما تقدمت الوسائل التعليمية عبر الانترنت وصار يمكن لأي فرد ان يستغنى عن المعلم وعن الذهاب إلى مكان يدرس فيه أي مهارة . فهل تغيرت الوسائل التعليمية فحسب أم تغير معها جوهر الأشياء ؟ فمع اتساع شبكات الاتصال ، وتدفق المعرفة عبر آلاف المنصات والقنوات والمكتبات الإلكترونية ، ظهر من يقول أن المدارس أصبحت أثرا من الماضي !! وأن المعلمين سيصبحون قريبا جزءا من التاريخ ، وأن المستقبل لتعليم يجري داخل البيوت أو في غرفة صغيرة يجلس فيها الإنسان منفردا أمام شاشة ، يتلقى ما يشاء من علوم دون حاجة إلى قاعة درس أو معلم أو زملاء .
يبدو هذا التصور منطقيا ، لأن الإنسان أصبح بإمكانه أن يتعلم أي لغة ، أو يدرس الفيزياء ، أو يتقن البرمجة ، أو يحضر محاضرات أرقى الجامعات في العالم بضغطة زر ، وأن يصل إلى آلاف الكتب والمراجع التي كانت في الماضي حكرا على المكتبات الكبرى . لكن هناك من يرى أن الأمر لا يتعلق بإمكان الوصول إلى المعرفة ، إنما يرتبط بطبيعة التعليم نفسه . فليس كل معرفة تعليما ، وليس كل اطلاع تعلما ، وليس كل من امتلك المعلومات أصبح عالما .
العودة إلى التاريخ تكشف أن التعليم لم يولد في المدرسة ، بل ولد في البيت . كانت الأسرة هي المدرسة الأولى ، الأب والأم ينقلان الخبرة إلى الأبناء ، ثم ظهر المعلم الذي كان ينتقل إلى بيوت المتعلمين ، يعلمهم القراءة والكتابة والحساب ، ويغرس فيهم مبادئ الأخلاق والدين واللغة . كانت حلقات العلم في البيوت والمساجد والكنائس والمعابد تمثل الصورة الطبيعية للتعليم قبل أن تعرف البشرية المدرسة الحديثة. لم تكن المدرسة أصلا للتعليم ، كانت استجابة لحاجة اجتماعية فرضها اتساع العمران ، وازدياد السكان ، وتعقد الحياة الاقتصادية والإدارية ، فلم يعد ممكنا أن يذهب المعلم إلى كل بيت ، ولا أن يتلقى كل متعلم تعليما فرديا يناسبه . لذلك انتقلت البشرية من التعليم الفردي إلى التعليم الجماعي ، ليس لأنه أفضل من حيث المبدأ ، إنما لأنه أكثر قدرة على استيعاب الأعداد الهائلة من المتعلمين .
مع تطور وسائل الاتصال ، يبدو وكأن التاريخ يدور دورة كاملة ليعيد الإنسان إلى بيته مرة أخرى . غير أن العودة ليست عودة إلى الماضي ، بل انتقال إلى شكل جديد من التعلم ، يقوم على التقنية بدل انتقال المعلم جسديا . المنصة الرقمية صارت داخل كل منزل ، المحاضرة تصل إلى كل هاتف ، المكتبة العالمية تستقر في جهاز صغير يحمله الإنسان في جيبه . لكن هذا التشابه الخارجي يخفي اختلافا جوهريا , فالمعلم الذي كان يدخل البيت قديما كان يحمل علمه وشخصيته وتجربته وسلطته الأخلاقية ، أما الشاشة فإنها تحمل المعلومات وحدها ، ولا تستطيع أن تحل محل الإنسان في كل شيء .
هنا يظهر الفرق العميق بين التعليم بوصفه نقلا للمعلومات ، والتعليم بوصفه بناء للعقل . فالمعلومات أصبحت اليوم أرخص من أي وقت مضى ، لكن العقل الناقد ليس أكثر انتشارا بالضرورة . أصبح الإنسان يغرق في بحر من المعارف ، لكنه يعجز عن التمييز بين الصحيح والزائف ، بين العلم والدعاية ، بين الحقيقة والرأي . هنا تتجلى وظيفة المعلم بوصفه مرشدا لا مجرد ناقل للمعلومات . المعلم الحقيقي لا يلقن المعرفة فقط ، إنما يعلم كيفية الوصول إليها ، كيفية نقدها ، وربطها ، وترتيبها ، وتحويلها إلى أدوات للفهم والإبداع .
أعظم الجامعات رغم امتلاكها أحدث وسائل التعليم الإلكتروني ، لا تزال تستثمر في الحرم الجامعي ، والمختبرات ، وقاعات المحاضرات ، والأنشطة الطلابية . فهي تدرك أن الجامعة ليست مكانا لتوزيع المعلومات ، إنما فضاء لتكوين الإنسان ، وصقل شخصيته ، وتعليمه العمل الجماعي ، واحترام الاختلاف ، وإدارة الحوار ، وبناء العلاقات العلمية والاجتماعية التي قد تستمر طوال حياته . وقد يكون للجامعات وملاكها اهداف اخرى , ان يجنوا أرباحا من خلال المصروفات التي يسددها الطلاب .
لكن إذا أصبح كل متعلم يختار ما يشاء من آلاف الدورات والمنصات ، فمن الذي يحدد الحد الأدنى من المعارف المشتركة التي ينبغي أن يمتلكها أبناء المجتمع الواحد ؟ كيف يمكن للدولة أن تضمن تكوين طبيب أو مهندس أو قاض أو معلم وفق معايير موحدة تكفل الكفاءة وتحمي المجتمع ؟ إن المناهج الدراسية ليست مجرد قائمة من المعلومات ، إنما تعبير عن رؤية المجتمع لنفسه ، عن القيم التي يريد غرسها في أجياله ، عن المهارات التي يحتاج إليها مستقبله . لذلك فإن ترك التعليم كله لاختيارات الأفراد قد يؤدي إلى تشظي المرجعيات المعرفية ، وإلى تفاوت كبير في مستويات التأهيل .
يمتد الأمر أيضا إلى التحقق من جودة التعلم نفسه . فالمعرفة الطبية لا تكتسب بقراءة الكتب وحدها ، والهندسة لا تدرس عبر الشاشات فقط ، والكيمياء لا تستغني عن المختبر ، والجراحة لا يتقنها الطالب بالمشاهدة ، بل إن العلوم الإنسانية نفسها تحتاج إلى النقاش ، وإلى الاحتكاك بالخبرات المختلفة . لذلك كثير من التخصصات يصعب أن تنفصل عن التدريب العملي ، مهما بلغت جودة التعليم الرقمي .
لكن إنكار قيمة التعليم المنزلي أو الذاتي سيكون خطأ لا يقل عن الدعوة إلى إلغاء المدارس . التاريخ يشهد بأن عددا كبيرا من العلماء والمفكرين كانوا أصحاب تعليم ذاتي واسع ، وأن الفضول الشخصي كان دائمًا الوقود الحقيقي للإبداع . إن المدرسة تستطيع أن تمنح الإنسان الأساس ، لكنها لا تستطيع أن تصنع العبقرية . العبقرية تولد عندما يلتقي التعليم المنظم بالشغف الفردي ، عندما يتحول التعلم إلى عادة تستمر مدى الحياة ، لا إلى مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة .
مستقبل التعليم لا يكمن في إقصاء الإنسان ، إنما في إعادة تعريف دوره . المعلم لن يختفي ، لكنه لن يبقى كما كان ، المدرسة لن تزول ، لكنها لن تؤدي الوظائف نفسها التي أدتها في الماضي . المعرفة ستظل كما كانت دائما رحلة إنسان إلى إنسان ، مهما تعددت الوسائط ، ومهما تطورت الآلات ، لأن بناء العقل لا يتحقق بتراكم المعلومات وحدها ، إنما ينشأ من لقاء العقول ومن الحوار والتجربة ، من ذلك الأثر الخفي الذي يتركه الإنسان في الإنسان ، أثر لا تستطع التكنولوجيا ، رغم كل ما بلغته ، أن تحل محله .