54 عاما على رحيل غسان كنفاني .. ثلاثة منافٍ هندست عبقرية الأدب المقاوم

كتب: إلهام الكردوسي

54 عاما على رحيل غسان كنفاني .. ثلاثة منافٍ هندست عبقرية الأدب المقاوم

54 عاما على رحيل غسان كنفاني .. ثلاثة منافٍ هندست عبقرية الأدب المقاوم

يوافق اليوم الذكرى الـ54 على رحيل الروائي الفلسطيني غسان كنفاني الذي تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في 8 يوليو 1972، عندما كان عمره 36 عاما بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت.

المتأمل لحياة غسان كنفاني يرى أنها تجسد مأساة الشعب الفلسطيني، وأبنائه الذين تفرقوا في المنافي، منذ عام النكبة 1948، حيث أجبر وعائلته على النزوح فعاش في سوريا كلاجئ فلسطيني ثم في الكويت و لبنان حيث حصل على الجنسية اللبنانية.

وعن غسان كنفاني نشرت وزارة الثقافة الفلسطينية كتابًا يوثق سيرته تحت عنوان «غسان كنفاني.. جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية» للدكتور محمد عبد القادر، يتتبع الكتاب عبقرية غسان كنفاني عبر متابعة سيرته الشخصية ومراحل تطورها وتطوره، والمنفي التي عاش بها: ففي عام (2000) أصدر عدنان كنفاني، شقيق غسان، كتاباً مهماً وشيقاً ومفيداً تركز في معظمه على غسان طفلاً وصبيّاً، كشف فيه عن جوانب غير معروفة عن طفولة غسان وصباه الأول، تلك الجوانب التي غالباً ما يجهلها الآخرون، ولا يعرفها سوى دائرة الأسرة القريبة من الطفل.

مواهب تنمو في المنفى الأول: سوريا (1948-1955):

فجأة يجد الطفل نفسه وأسرته خارج البيت والوطن في عالم اللجوء والحرمان والتشرد. كان غسان في الثانية عشرة من عمره، وكان شقيقه عدنان الذي كشف الصفحات المطوية يصغره بأربعة أعوام، وفي صفحات عدنان نقرأ الظروف التي مرت بها الأسرة بعد عام النكبة، وارتحالها ما بين لبنان وسوريا، ومعاناتها جراء فقدان البيت والوطن، وكان لا بدّ من انقضاء سنوات لكي تشعر الأسرة بشيء من الاستقرار في المنفى القسري الذي كان لا بدّ منه كملاذ مؤقت. لا شك في أن سيرة الأسرة التي عاش غسان في كنفها لا تختلف عن حياة الأسر الفلسطينية الأخرى التي انتهت إلى مخيمات البؤس والشقاء، بيد أن سيرة غسان بالذات كانت مختلفة عن سير أقرانه في تلك الآونة، وبصورة ملحوظة.

ويكمل: حين جاء موظفو الأمم المتحدة بالحليب المجفف والخبز وحقن التطعيم ضد التيفوئيد، يوم كانت الأسرة ما تزال في منطقة الغازية في لبنان، هرب غسان إلى الأحراش المجاورة رافضاً التطعيم. كان اللقاح يقعد كل من تلقاه، فظل غسان الوحيد الذي قام على رعاية الجميع، ونجا هو من المرض الخطير دون لقاح. لعل خوف غسان من إبرة اللقاح هو السبب في هروبه، وهو أمر مألوف ليس لدى الصغار فحسب، بل عند الكبار أيضاً، لكن الهرب بحد ذاته يعكس نزعة للتمرد لدى غسان على ما يكره، كما تكشف الواقعة في الوقت ذاته إحساسه الرهيف بالمسؤولية الأسرية والاجتماعية والإنسانية تجاه الأسرة وجيرانها. ولسوف تتبلور هذه النزعة الإيجابية في مواقف مبدئية واعية يواجهها في خبراته اليومية اللاحقة.

عبقرية تتشكل في المنفى الثاني: الكويت (1955-1960)

تحت وطأة المسؤولية الأسرية والحاجة المادية يغادر غسان دمشق إلى الكويت ليعمل مدرساً للتربية الفنية والرياضية، مُسلحاً بموهبته الفنية في الرسم والخط، وبموهبته الأدبية في القصة القصيرة، وبوعي واضح بقضيته وبمأساة شعبه والواقع العربي العاجز عن مواجهة المأساة، وبالأساليب الفعالة لمواجهة هذا الواقع.
«اتجهت نحو السياسة في مرحلة مبكرة لأننا كنا نعيش في المخيم، ولم يكن من الصعب عليّ اكتشاف الجذور السياسية للجو الذي عشته كطفل». ويشير غسان إلى أنه التقى الدكتور جورج حبش في دمشق، وبعدها التحق في صفوف حركة القوميين العرب.

ويرصد الكتاب أن غسان كَتَبَ في الكويت ست عشرة قصة هي من أجمل قصصه التي بلغ المنشور منها (59) قصة، كما استلهم من أجوائها مادة «رجال في الشمس»، الرواية التي وضعته في طليعة الروائيين الفلسطينيين، وقدمته روائياً عربياً بامتياز في مطلع الستينيات. كما استمد من البيئة الصحراوية عدداً من موضوعات قصصه وأبطالها، ما يعني أن الكويت، منفاه الثاني المختار، قد شهدت تشكل ملامح أساسية لعبقرية غسان كنفاني.

المنفى الثالث: تفجر العبقرية وتفجير العبقري - بيروت (1960-1972):

يمكن القول بثقة أن المرحلة البيروتية في حياة غسان كنفاني قد فتحت له آفاقاً واسعة لتجاوز حالة القلق والوحشة والاغتراب، ولتحقيق الذات وبلوغ «الوجود» بالمعني الذي أراده غسان. فقد وجد الشاب نفسه في إطار حركة عربية ذات أفق تحرري، وفي قلب عاصمة العرب الأولى في الحرية والثقافة والصحافة. هناك أقبل غسان على الحياة بنهم شديد. واغتنم كل دقيقة من وقته في التعلم والكتابة والمتابعة والمحاورة والتعليق، من دون أن ينسى أنه أصبح زوجاً وأباً.

في بيروت خرج من حال الاستلاب إلى الانتماء، ومن الوحشة إلى الألفة، ومن الجفاف إلى الجمال، ومن الوحدة إلى المجموعة، ومن الكبت إلى الحرية، ومن الفرد إلى الأسرة، هناك صار موجوداً، هناك توافرت شروط الإبداع وتفجر العبقرية، هناك إيقاع الحياة المتوتر، الحي، المتغير، بعيداً عن الإيقاع الرتيب، الساكن، الموحش.

في بيروت انتفضت شخصية غسان كنفاني ممزقة شرنقة الوحدة والإحباط لتخرج إلى النور واضحة، واثقة، ومنفتحة، وفي صلبها عبقرية تبحث عن تجلياتها في الصحافة والرواية والقصة والمسرحية والنقد والدراسة. ومن هنا تتكامل الشخصية في مكوناتها الوجدانية والمعرفية والكفاحية والإبداعية، فتنتج غسان كنفاني المدهش والمثير للإعجاب، قبل أن يرحل في مثل هذا اليوم قبل 54 عاما.


مواضيع متعلقة