إبراهيم ربيع يكتشف أكذوبة الإخوان الكبرى: ادّعوا تعذيبي في السجن وحينما اعترضت قالوا لي «الحرب خدعة وكل شيء مباح في سبيل تمكين الجماعة»
إبراهيم ربيع يكتشف أكذوبة الإخوان الكبرى: ادّعوا تعذيبي في السجن وحينما اعترضت قالوا لي «الحرب خدعة وكل شيء مباح في سبيل تمكين الجماعة»
بين «لماذا ذهبت؟»، و«لماذا عدت؟»، انقضت سنوات العمر، يكفّر في نصفه الثاني عن جرم نصفه الأول، لا يجد غضاضة في الاعتراف: «كنت مذنباً، مجرماً، مغيّباً»، ولا يجد أزمة في البوح عن كل المسكوت عنه داخل قلاع التنظيم وقبور الجماعة، التي دخلها صبياً لا يزيد عمره على 17 عاماً، لا يدرك سوى ما يرددونه على مسامعه بأنهم جند الله، وأنه واحد من حراس الشريعة، حماة الإسلام، قبل أن يغادرها وقد اكتمل ذهنه واستخلص الحقيقة التي كان غافلاً عنها؛ أنه كان مرتزقة -دون وعيه- في حرب لم يكن أبداً أهلاً لها.
قيادي إخواني سابق يروي حكاية 20 عاماً من التردد بين جحيم التنظيم وخديعة «أبوالفتوح»
كان معذوراً، مبهوتاً بتجربة الخال والجد، اللذين انضما للإخوان، صحيح لم تكن تجربتهما مثل عمر التلمساني، لكنهما تعرضا للسجن بسبب الانتماء الإخواني، لم يؤثر كلاهما على قراره بالانضمام، خاصة أن موقعهما كان دوماً على هامش الأسر والجماعة.. لكنه لا يبرر لنفسه، كان طفلاً صغيراً أصبح محوراً للاهتمام، فجأة قالوا له الإسلام يتعرض لمؤامرة وأنت المنقذ، أنت صلاح الدين الذي سينقذ الأمة.. حقنوه بالضلالات، ليقف الطفل إبراهيم ربيع وقتها يردد ما يصل إلى مسامعه، ينفذ ما يريدونه، ولا يعي مفهوماً سوى السمع والطاعة للجماعة التي ملكت عليه حياته وأصبحت محورها.. أي طفل يقاوم هذا؟ وأي وعي يصد هذا الغزو؟
يتساءل «ربيع» دون أن يبرر لنفسه السقوط، لكنه يلتمس العذر لجميع من سقطوا، فالمغريات لا تقاوم، ولغة الحماس المستخدمة وفلسفة الإخوان في الاستقطاب والتجنيد تصنع بيئة اجتماعية موازية تغني عن الأسرة والأهل والأصدقاء، وتفتح الباب أمام أحلام يتولد بعضها من بعض، خاصة حين يستعينون بسيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كانت السيرة كما «البنج»، يسمع «ربيع» ورفاقه أنهم على خطى النبي، دون أن يوثق أحدهم الرواية أو يتأكد من صدقها وصحتها، فيزيد تعلقه بما قيل وإيمانه به وتصديقه لمن قال وكأنه في منزلة الأنبياء.
كل هذا ما تسميه الجماعة مرحلة توثيق الصلة، يتذكر «ربيع» أيامه فيها، والمعسكرات التي كانت تقيمها الجماعة لأعضائها بغرض تشكيل البيئة الحاضنة، بمسميات الكشافة، وفيها يتعرف الأشبال على مشايخ الجماعة في محاضرات ولقاءات موسعة، يخرج منها الأعضاء الجدد وقد تعرضوا لما يصفه بأنه «غسيل مخ» ديني، وما أن تنتهي المهمة، حتى يبدأ مستوى آخر، وقوده حكايات عن تجارب قيادات الإخوان في سجون عبد الناصر، وما لاقوه من تعذيب بسبب دعوتهم، ومبالغات في التشبيه بأن ما يتعرضون له هو نفسه ما تعرض له النبي محمد في دعوته للإسلام، بخلاف تقديم تفسير شديد التطرف لآيات قرآنية تغير معناها وتخرجها من سياقها، والأمثلة على هذا كثيرة وتقريباً في كل سور القرآن الكريم.. على يد سناء أبوزيد، عرف «ربيع» هذا العالم، شاء قدره أن يقع في يد أحد قيادات قسم التربية في تنظيم الإخوان، القسم الذي يضع المفاهيم والقوالب التربوية التي يتم الاستقطاب بناء عليها، كان أشهر الأمثلة التي تربوا عليها داخل الجماعة أن الإخوان كما عمال الطوب، يحولون الطين إلى قوالب من الطوب يبنون بها المجتمع، لم يكن انبهار «ربيع» فقط بالشخصيات التي يقابلها داخل حدود التنظيم، كان منبهراً بالحالة والمراحل السبع التي مر بها دون أن يشعر.. الآن يراها عن بُعد وتتضح له حدودها، لكنه وحين كان أسيراً لأفكارهم كان يعتقدها بيئة نظامية منضبطة.

تولى حملة «أبوالفتوح رئيساً» في الجيزة وحصد له عشرات الأصوات.. ثم اكتشف أن الحزب ورئيسه يحصلون على تمويل من مخابرات إنجلترا وأمريكا
في أوسيم، وتحديداً الكوم الأحمر، حيث النشأة، وحيث التجنيد، انخرط في أوساط الجماعة، كان المسجد هو المساحة التي يتم فيها كشف الهيئة، تأتي القيادات من آن لآخر لعقد محاضرات، يتم خلالها فلترة الأشبال، يتولاها عناصر محددة مثل محمد محمود وحلمي الجزار وسناء أبوزيد، اجتمع «ربيع» في أسرة كان أبرز عناصرها أكرم غراب وعاطف عبد الرشيد ومحمد الجبالي وآخرون، أسندوا له قيادة شعبة الكوم الأحمر، واستقطاب عناصر من أبناء أوسيم وقرى الجيزة المحيطة، نجح مع آخرين في تجنيد 30 عنصراً آخر وضمهم للشعبة.. كل هذا والأسرة لا تعترض ولا تتوقف أمام نهج الابن، الذي سرعان ما التحق بالجامعة، حينها كان عبد المنعم أبو الفتوح يعيد تأسيس التنظيم الإخواني بعد خروجه من السجن، بمعاونة خيرت الشاطر وأبو العلا ماضي وإبراهيم الزعفراني، كان هذا في أوائل 1975، وكان «ربيع» ورفاقه النواة التي يبني عليها التنظيم انطلاقته الثانية، وهو ما حدث بالفعل، من خلال الأسر التي تفرعت عنها أسر ومجموعات، كل هذا كان جزءاً يسيراً من رحلته داخل التنظيم، والتي ربما مرت بـ4 مراحل مفصلية؛ الأولى الاندماج حد اليقين، التي استمرت منذ انضمامه وحتى 2007 تقريباً، ثم المرحلة الثانية، التي يمكن اعتبارها مرحلة التساؤل والبحث عن جدوى، والتي استمرت حتى أحداث يناير، والتي جاءت لتزيد حيرته حول الجماعة، وتحول السؤال إلى شك والحيرة إلى تخبط، وهي المرحلة التي سبقت 30 يونيو مباشرة، ليصل إلى بر الأمان ويرسو على بره خارج حفرة التنظيم.
كانت بداية الصحوة سفره للعمل في إحدى الدول العربية، بعد تجربة سجن صعبة في مصر، على خلفية الانتماء للإخوان. في ظلمة السجن تتغير الأفكار، وينفرد المرء برأسه، قد يعود إليه وقد يظل تحت سيطرتهم، وظل هو بين الاثنين، خرج من السجن ولديه استعداد قوي لمغادرة التنظيم والبعد عن الجماعة، كان هذا في 2007، وبدأ بالفعل في الابتعاد، تحت وطأة ضغط الأبناء وتردي أحواله المالية من بعد السجن، عرض كل ما يدور في رأسه على أحد الإخوة، مسؤول مكتب التنظيم في قطر، يدعى «جاسم»، أسرّ إليه بفكرة الخروج من التنظيم، ففوجئ به يحذره من تركهم، مسدياً إليه النصيحة التي لم يستوعبها «ربيع» حتى الآن: «لو عندك مشروع تاني سيبهم، ماعندكش خليك مع الإخوان»، هكذا في لحظة أصبحت الأفكار مشروعات، وأصبح الانضمام مرتبطاً بالمصلحة المباشرة، وهو ضد كل ما آمن به معهم.. لم تستمر الحيرة طويلاً، ظل على وضعه شبه مجمد، لا يواصل العمل ولا يبتعد، كونه ما زال حائراً بين استكمال ما اعتاد عليه وبين تلبية صوت ضميره وعقله الذي علا بالصراخ والتنبيه إلى وجود شيء ما غير مريح، حتى هلّت روائح يناير، فجأة وجد نفسه في ميدان التحرير ومحيطه كله إخوان، فطن إلى أن الثورة ألقت بالدولة في حجر التنظيم، وفجأة وجد الجماعة تستعد لانتخابات البرلمان في مارس 2011، وعقبة «مبارك» أزيحت إلى الأبد بتنحيه.
لم يكد «ربيع» يفيق من صدمة حتى يتلقى الأخرى؛ رفاقه الذين غادروا السجون قبل قليل يجلسون الآن مع قيادات الدولة، خيرت الشاطر يلتقي عمر سليمان، وهكذا بقية قيادات الجماعة، حينها شعر «ربيع» بأن أمراً ما يجب أن يتم تعديله في الإخوان حتى تتحول من جماعة دعوية إلى جماعة لها أن تحكم الدولة، فقدم مشروعه لإعادة هيكلة الجماعة وتحويلها لكيان شرعي تعترف به الدولة فيصير له الحق في حكمها وانتخاب ممثليها.. الفكرة على مثاليتها لم تلقَ القبول الذي كان ينتظره، قضى أحداث يناير كلها متابعاً لما يدور في الميدان، يحث رفاقه في التنظيم على تغيير يشمل الجماعة مثلما شمل الدولة، كان يذهب بحرص إلى التحرير، يشارك في خيام الإخوان، وينازعه الإحساس بالرغبة في المشاركة وعدم تصديق المسرحية التي يراها أمامه، كان يعرف أنهم يمثلون على المتظاهرين دوراً بعينه، هو أدرى بهم من الجميع، لذا فطن لما يقومون به، لم يكن الأمر سهلاً عليه، هل يواصل خداع نفسه وتصديقهم، أم يكشفهم على الأقل أمام نفسه؟ قاوم نفسه وقرر طرح فكرته، رصد كل المشكلات التي تعانيها الجماعة من وجهة نظره، وأهمها الديكتاتورية، وذهب بها إلى رشاد البيومي وعصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وحلمي الجزار، وفي كل محطة يعرض فكرته، التي تعتمد على تدويل السلطة في الجماعة وتأسيس بنك أفكار ومشاركة المواطنين في وضع مقترحات لمستقبل التنظيم، في كل مرة يقابل التجاهل، فيصعد للمحطة التي تليها، حتى وصل لأعلى قيادات السلم; خيرت الشاطر، كان المحطة الأخيرة، يتذكر إلى الآن الجملة التي رنت في أذنيه قالها حلمي الجزار ناصحاً إياه: «يا أخ ربيع أنت عندك أفكار أفلاطونية طفولية رجاء تحتفظ بها لنفسك، إحنا بنجهز نفسنا من 80 سنة لهذه اللحظة، ومش هنفرط فيها علشان المهلبية اللي بتقولها دي».
لم يطل «ربيع» الحديث معه، قرر التوجه إلى رشاد البيومي، فهو الأقرب إليه بعد سناء أبوزيد، نصحه أيضاً بما لم ينسه حتى الآن، قال: «ما تتكلمش في المواضيع دي، إحنا عارفين سكتنا، وانت دماغك كويسة بس لما بتشت بتتعبنا»، لم يصمت «ربيع»، قرر الوصول لخيرت الشاطر، وفي الطريق عرج إلى محمد محمود، بصفته أحد الكبار الذين تولوا تجنيده، عرض عليه فكرته المعترضة في الأساس على ترشح الإخوان على منصب رئيس الجمهورية، قال له مستهجناً: «هو إحنا عندنا حد ينفع رئيس دولة، ولا حتى رئيس وزراء، ولا وزير، ده إحنا بنرصص النواب بالعافية، ناس لا تفقه شيء في الحياة السياسية ولا النيابية وبييجوا يفضحونا وخلاص»، ثم استرسل في عرض فكرته المعتمدة على بنك الأفكار وبنك الشخصيات القيادية، بحيث إذا احتاجت الدولة وزير زراعة يتم اللجوء للبنك واختيار الأنسب سواء كان مسلماً أو مسيحياً وفق المعايير الموضوعة، حينها نظر إليه القيادي الإخواني ضاحكاً، وسأله: «انت عارف أنا بحكم كام دولة؟.. تونس واليمن وسوريا ومصر والسودان وليبيا».. وأسهب في شرح النظرية له، وأن الأمريكان يعتقدون أن السيطرة على المنطقة تبدأ من مصر، وهو ما حاولوا تلبيته لهم.

«30 يونيو» حسمت القرار وكشفت الإخوان في الحكم و«اللي عاملين مش إخوان» في «مصر القوية».. و«أبوالفتوح» أكبر أكذوبة صدقها المصريون
قضى «ربيع» قرابة العشرين عاماً في مراحل انتقالية داخلية، وصراعات فكر تدور في عقله، بين الانتماء والرفض، حتى ترشح عبد المنعم أبو الفتوح، وأسند إليه مهام في حملته الانتخابية، حينها شعر أن الفرصة جاءته لتطبيق ما يريد، وأنه أخيراً سيجد من يستمع له ويطبق من بين أبناء الجماعة، يفخر «ربيع» إلى الآن بأنه استطاع حشد أكبر عدد من الأصوات لصالح «أبو الفتوح»، وفي منطقة الجيزة، المسؤول عنها، حصد أصواتاً أكثر من «مرسي» نفسه، ينسب «ربيع» الفضل لنفسه ولتحركاته وسيطرته في المنطقة، ولجانب آخر أشار إليه: «أبو الفتوح في هذه المرحلة بدأ يحصد أصوات الإخوان الذين مروا بالمرحلة التي مررت بها؛ الصدمة في التنظيم، وشعروا أن «أبو الفتوح» هو أملهم، خاصة أنه خالف قرار الجماعة وترشح، كما أنه جذب إليه عدداً كبيراً من عاصري الليمون».. وهو الأمر الذي دفعه للانضمام لحزب «مصر القوية» الذي أسسه «أبو الفتوح»، كان يعتقد أنه سيكون «الميكس» المنتظر؛ التنويري، التحرري، البنائي، المنتمي للبلد، ومع ذلك يعلي الروح الإسلامية، قبل أن يكتشف أن الحزب والمشروع برمته مجرد واجهة للتعاون مع أجهزة المخابرات الأمريكية والإنجليزية، والحصول على تمويل، وهي القضية التي يحاكم بها «أبو الفتوح» حتى الآن، بحسب «ربيع».
لم يكن الأمر عشوائياً داخل تنظيم الإخوان، توجد منظومة لصناعة الكادر الإخواني، تبدأ بالسيطرة على عقله ثم توجيهه، ومن يجيد السيطرة فقد نجح في الاختبار ودخل في سلم الترقي داخل التنظيم، بحسب «ربيع»، الذي كان من هؤلاء، من تم السيطرة عليه فأجاد السيطرة، قبل أن تأتيه فرصة العمل في الخليج، هناك ووسط الجماعة أيضاً تعرّف على مناهج مغايرة، فوجئ بكتب تروي أساطير غير التي تعلمها وحفظها وأخذ يرددها، أصيب بصدمة: أيهما أصيل وأيهما موضوع؟ كانت الجماعة تمنع على أعضائها التعرض لأي كتب أو مناهج غير التي يضعها قسم التربية.. يروي «ربيع» موقفاً دالاً أسهم في «إضاءة اللمبة»، بحسب تعبيره، في رأسه: «ضمن مناهج الإخوان رواية منسوبة لسيدنا النبي، صلى الله عليه وسلم، تعكس موقفه من الأديان الأخرى، قيل فيها إن النبي محمداً رأى سيدنا عمر بن الخطاب يحمل نسخة من التوراة، فغضب منه غضباً شديداً وأخذها منه وألقاها على الأرض، وقال: لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني»، وحين روى «ربيع» الرواية على عدد من الحضور، وكان بينهم إخوان في الخليج، رد عليه أحد الحضور رداً أفحمه: «وهل يعقل أن سيدنا النبي يصدر عنه هذا، ألا تذكر ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، يا راجل قول كلام يتصدق.. وأمام الإحراج وتكالب الحضور في تكذيب هذه الرواية، عاد «ربيع» إلى الكتب وقارن بينها وبين ما تعلمه داخل أروقة الجماعة، فاكتشف كوارث؛ أبسطها الكذب على سيرة سيدنا النبي محمد والتقول باسمه.
حرّموا على الأعضاء «التفكير والتعبير والضمير».. ومنعوا التعرض لأي كتب خارج مناهج قسم التربية.. وادّعوا على الرسول أنه أهان التوراة
لم تبدأ الهزة من هنا، سبقت هذا بقليل، حين تلقى إخطار ضبط وإحضار لسؤاله في تحريات بعينها، عاملوه في النيابة بطريقة لائقة، عاد يرويها لقياداته، لكنه فوجئ بالرواية تذهب في اتجاه آخر.. يروي: «قالوا إنني تعرضت للتعذيب لإجباري على الاعتراف، واتكهربت وانضربت وطفوا السجاير في جسمي في مناطق حساسة، وحينما اعترضت على كل هذا وأكدت أنه لم يحدث، قالوا لي الحرب خدعة يا أخ ربيع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا كان كسر هذا النظام واجباً وتمكين الإخوان واجباً فكل شيء مباح؛ الكذب والقتل واستباحة الأعراض والأموال».
كانت هذه الجلسة هي القاصمة، لم يعرف بعدها ماذا يفعل وأين يذهب، صمت، لكن ذهنه لم يصمت، قاوم المحرمات الثلاثة في التنظيم، يحكي عنها «ربيع» بألم: «التفكير والتعبير والضمير كانوا محرمات علينا، كان الأصل أننا حين نتكلم يرى المستمع فينا صورة البنا وصوته ولسانه، وعدا هذا مرفوض، ومن يفعل غير هذا يقابل بمرحلة التطنيش»، يشرحها «ربيع»: «ياخدوا منك موقف، ولو زودتها يبدأ التهميش، تلاقي ميعاد اجتماع اتغير في آخر لحظة وانت ماتعرفش، كل ما تكلم حد في التليفون يقول لك ماينفعش الكلام في التليفون ولما نتقابل، ولو اعترضت تبدأ مرحلة إنه يشككك في نفسك وفي إيمانك، يسألك على وردك القرآني وصلاة الفجر».. ورغم قلقه وعدم ارتياحه استمر «ربيع» على هذا الوضع سنوات، قبل السجن الاحتياطي 6 أشهر في مزرعة طرة، شاركه العنبر وقتها محمد مرسي وعصام العريان وحلمي الجزار، كان هذا في 2006، ورغم عزلته عنهم بعض الشيء لكنه كان يشاركهم الشكل التنظيمي للإخوان داخل السجن.
كل ما مر به قبل 30 يونيو مهّد لأن تكون الثورة هي خلاصه الحقيقي من الانتماء الفعلي للجماعة، كان بالفعل اكتشف الجميع، «أبو الفتوح» والتنظيم معاً، خاصة أن «أبو الفتوح» كان يستعد وتيارات اليسار والناصريون و«إكس الحزب الوطني» في «مصر القوية» للخروج والتظاهر ضد «مرسي» والإخوان في 30 يونيو، وقتها اختلف معهم «ربيع» مجدداً حين شعر بأنهم لن يخرجوا للمطالبة برحيل نظام الإخوان و«مرسي»، شعر أنهم يريدون إمساك العصا من المنتصف، إنهم إخوان لكن بوجه آخر، يريدون إصلاح النظام من الداخل، وهي دعوات شاذة هدفها التفرقة أكثر من الجمع، حينها لم ير «ربيع» في «أبو الفتوح» ورفاقه إلا نسخاً معدلة من التنظيم الإخواني، فقرر أنه فراق بينه وبين الجميع.. وقتها تواصل معه قياداته في الإخوان يسألونه مساندتهم، قال لهم نصيحة مخلصة وأخيرة: «لو عايزين تكملوا صح، مرسي يطلع قرار جمهوري بحل جماعة الإخوان المسلمين والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة».. رد عليه محدثه باستهتار وقال: «يا ربيع الله يهديك، الجيش في جيبنا حبيبي».. يتذكر «ربيع» أنه بعد 3 يوليو هاتف هذا الرجل وسأله بسخرية مماثلة: «هاه.. طلعت الجيش من جيبك ولا لسه يا باشمهندس؟».
لا يتذكر «ربيع» أنه استفاد مادياً من وجوده في جماعة الإخوان أو التنظيم، ينفي عن نفسه تهم التربح والثراء التي طالت كل القيادات، ويدلل على هذا بأنه تعرض لحملة شرسة ومسعورة واتهامات بأنه «أمنجي» من قبل 30 يونيو حتى الآن، يحتد وهو يروي: «أنا صاحب أيادي بيضاء على التنظيم وعلى أعضائه، ماكنتش مستفيد بحاجة أبداً، أنا بيتي الحمد لله كبير، بيت أبويا، الله يرحمه، فكنا نستضيفهم بالـ40-50 فرد ونأكلهم ونشربهم ونصرف عليهم ونطلع فلوس، وما استفدناش زي اللي استفادوا ولا هبشنا زي اللي هبشوا، بس كنا بنتعامل بنبل مع هذا التنظيم الحقير».. يشرح مقصده: «فيه ناس استفادت أراضي، يعني بعد 2011 فيه ناس تملكت، وبعد نجاح السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشورى، فيه ناس اتخصصت لهم أراضي، وفيه ناس استفادوا في مناصب، كان فيه ولد كنت أعرفه من مصر القديمة، كان معاه معهد إعداد فنيين تجاريين، يعني دبلوم بعد الثانوية، الولد ده مسك رئيس هيئة أو رئيس مجلس إدارة هيئة في الأوقاف». يؤكد أن التنظيم كان دولة موازية داخل الدولة لها ميزانية بالملايين، لدرجة أن مخصصات قسمي الطلاب والأشبال كانت تتجاوز في السنة الـ100 مليون جنيه، وكلها من التمويلات الأجنبية، وليس الاشتراكات، بحسبه

الإخوان يتسللون إلى الشباب من الخارج عبر مواقع الألعاب.. ويلعبون على «انتهازكية واستهلاكية» هذا الجيل
بفضل «30 يونيو» تغير كل شيء في التنظيم، يؤكد «ربيع» أن الثورة أطاحت بالهيكل القديم كاملاً، والانقسامات التي حدثت لم تقضِ على الجماعة كفكر، لكن طورت المسارات والأدبيات، صحيح أن مساري التهيئة والسيطرة ما زالا موجودين، لكنهما مختلفان بعدما أصبح التنظيم إرهابياً والانضمام له أصبح مجرّماً، يفسر «ربيع» السبب في هذا التحول بأنهم أهملوا بعد الوصول للحكم كل الأجنحة الإعلامية والدعوية والاقتصادية، وأولوا كل عنايتهم للجناح المسلح، فكانت النتيجة الانهيار التام، وهو الدرس الذي تعلمته الفصائل الجديدة من التنظيم، وبدأت تستعيد نشاطها إعلامياً من الخارج، ليس إعلامياً فحسب، يؤكد «ربيع» أن منصات الجيمز «الألعاب» المنتشرة على الإنترنت هي وسائل تواصل الإخوان الحقيقية الآن، ربما أكثر من وسائل التواصل الاجتماعي.. يقول: «أولاً هذا الجيل فاقد الهوية.. ولم ينجح الإخوان في شيء سوى أنهم صنعوا الكائن اللامنتمي في مصر.. بني آدم مش منتمي لحاجة، لا لأسرة، ولا لعيلة، ولا لدولة، ولا لمفهوم.. وبناءً عليه، أي حد يكلمه في أي مصلحة، هيستجيب، بعدها يبدأ يدخل في الإغراءات المالية.. الولد يتفاجئ إن أبوه مش لاقي يديله 200 جنيه وهو بقى معاه 200 دولار أو 2000 دولار»، يشير «ربيع» إلى أن أزمة هذا الجيل في المادية والنزعة الاستهلاكية الشرهة، وهي البوابة الحقيقية لتسلل الإخوان لهم.