إعادة تعريف القوة (1)
لا يجب تقدير قيمة المشروعات الاستراتيجية الكبرى بحجم الإنفاق عليها فقط، ولا بما تضمه من منشآت أو تجهيزات، ولكن بما تعكسه من تحول فى فلسفة الدولة ذاتها.
ومن هذا المنطلق، يمكن رؤية افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسى للقيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة باعتباره إعلاناً عن مرحلة جديدة فى تطور الدولة المصرية، وانتقالها من مفهوم إدارة الأمن القومى برد الفعل إلى مفهوم الإدارة الاستباقية والتخطيط طويل المدى.
فالدولة الحديثة لم تعد تُعرّف فقط بقدرتها على احتكار القوة المشروعة، وفق التصور الكلاسيكى الذى قدّمه عالم الاجتماع الألمانى ماكس فيبر، وإنما أصبحت تُقاس كذلك بقدرتها على تنظيم تلك القوة، وإدارتها بكفاءة، وتوظيفها فى حماية التنمية والاستقرار، دون أن تتحول إلى أداة للصراع أو المغامرة.
وهنا تحديداً تكمن الدلالة الحقيقية لـ«الأوكتاجون»، فهو ليس مجرد مقر للقيادة العسكرية، وإنما تجسيد لفكرة الدولة المؤسسية التى تجعل من التخطيط الاستراتيجى إحدى أهم أدوات القوة الوطنية.
لقد شهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة تحولاً جذرياً فى طبيعة التهديدات.
فلم تعد الحدود الجغرافية وحدها هى مصدر الخطر، كما لم تعد الجيوش النظامية هى الخصم الوحيد.
فالإرهاب العابر للحدود، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والضغوط الاقتصادية، وأزمات الطاقة، والمنافسة على الممرات البحرية، كلها أصبحت مكونات أساسية لمعادلة الأمن القومى.
وظهرت فى الأدبيات الاستراتيجية مفاهيم جديدة، فى مقدمتها مفهوم «الأمن الشامل» الذى بلوره الباحث البريطانى «بارى بوزان» وعرّفه بأنه «السعى للتحرر من التهديد، وقدرة الدول والمجتمعات على الحفاظ على استقلالها وهويتها وسلامتها الوظيفية ضد قوى التغيير التى تراها معادية».
ويرى «بارى بوزان» أن أمن الدولة لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً وبيئياً وتكنولوجياً فى الوقت نفسه.
ويقيناً فإن إنشاء القيادة الاستراتيجية يمثل نقلة نوعية للدولة المصرية، تعكس رؤية متكاملة لتطوير منظومة القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات وفق أحدث المعايير العالمية.
ولعل الرسالة الأهم التى حملتها كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال الافتتاح هى أن إنشاء القيادة الاستراتيجية ليس إجراءً استثنائياً أو فكرة مستحدثة، وإنما يمثل نهجاً تتبعه الدول الحديثة التى تسعى إلى حماية شعوبها، وتطوير أدواتها المؤسسية لمواجهة الأزمات والكوارث، مهما تعددت مواقعها أو تنوعت طبيعتها.
هنا أوضح الرئيس أن الدولة مطالبة بأن تكون مستعدة للتعامل مع أكثر من أزمة أو كارثة فى أكثر من مكان داخل الدولة فى الوقت نفسه، وهو ما يتطلب بنية تنظيمية متطورة وقدرات عالية على التنسيق واتخاذ القرار.
هذا التصور يعكس تطوراً مهماً فى مفهوم إدارة الدولة الحديثة، حيث لم تعد الحكومات تقاس فقط بقدرتها على تقديم الخدمات اليومية للمواطنين، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المجتمع وقت الأزمات، سواء كانت كوارث طبيعية، أو أزمات صحية، أو تحديات اقتصادية، أو اضطرابات إقليمية، أو تهديدات للبنية الأساسية. ولذلك أكد الرئيس أن مسئولية الدولة تتجاوز توفير متطلبات الحياة اليومية، لتشمل مسئوليات أوسع تتعلق بالحفاظ على استقرار الوطن وضمان أمن المواطنين فى مختلف الظروف.
وأثبتت التجارب الدولية خلال السنوات الأخيرة أن امتلاك مراكز قيادة استراتيجية متطورة أصبح أحد أهم عناصر قوة الدول.
وجائحة كورونا (على سبيل المثال) كشفت أهمية وجود غرف عمليات مركزية قادرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ قرارات سريعة، كما أظهرت الكوارث الطبيعية والحرائق الكبرى والأزمات الاقتصادية أن نجاح أى دولة فى مواجهة التحديات يعتمد على كفاءة منظومة القيادة والسيطرة أكثر من اعتماده على توافر الإمكانات وحدها.
وللحديث بقية.